orientpro

عهد الشرق


قنطرة انتقال إلى الدولة أم لمرور قوى الهيمنة؟

آثارحرب 1994

(1)

ينظر اليمنيون إلى مؤتمر الحوار الوطني، الذي مضى على انطلاقته ما يقارب الأسبوعين، بقدر كبير من التفاؤل وينتظرون منه أن يكون آخر محطة في طريق استعادة الدولة وتطبيع الأوضاع.
غير أن التفاؤل الشعبي ليس بالقدر ذاته لدى النخب السياسية، التي لا تخفي مخاوفها من وجود أطراف تسعى لعرقلة الحوار وإفشاله، وفق ما عبر عنه كثيرون، وآخرهم الدكتور ياسين سعيد نعمان، نائب رئيس المؤتمر وأمين عام الحزب الاشتراكي.

تباينات حول فرص نجاح المؤتمر

وتتوالى جلسات مؤتمر الحوار الوطني تباعا، منذ انطلاق انعقاده في 18 مارس الماضي في العاصمة صنعاء، وسط تباينات حول تقييم فرص نجاحاته بإمكانية إعادة بناء الدولة المفككة وإخراج اليمن إلى بر الأمان.
ومنذ انطلاق فعاليات المؤتمر، تواصل توزيع المشاركين البالغ عددهم 565 مشاركا، يمثلون أطرافا سياسية واجتماعية، بما فيها الشباب والمرأة، قسموا إلى تسع مجموعات ستنكب خلال فترة أقل من ستة أشهر على مناقشة القضية الجنوبية، وقضية صعدة، والمصالحة الوطنية، والعدالة الانتقالية، وبناء الدولة ، ومجموعة الحكم الرشيد، ومجموعة أسس بناء الجيش والأمن والحقوق والحريات، وصياغة الدستور، والخروج بتوافق حول تلك القضايا، وفق ما نص عليه نظام المؤتمر وضوابطه.
وتبدو تلك المحاور للمراقبين شاملة للإشكاليات التي عانت وتعاني منها اليمن، وضعت من قبل خبراء دوليين في النزاعات، إلا أنها تبقى محكومة بأطراف ومكونات المؤتمر، التي تغلب عليها القوى المهيمنة والمتصارعة، والتي ما تزال تتحكم بمصادر النفوذ وتسيطر على أدوات الصراع في البلاد، ما يهدد فشل المؤتمر في أي لحظة، في الوقت الذي تبقى الفرصة الأخيرة والخيار الذي ليس له إلا أن ينجح، كما عبر عن ذلك عبدربه هادي، الرئيس اليمني الانتقالي خلال افتتاحه أشغال المؤتمر.

مخاوف السياسي الجنوبي

لكن، على الرغم من الإصرار على نجاعة المؤتمر الذي يلامس حاجات الشارع اليمني إلى استعادة الاستقرار والطمأنينة والسلم، إلا أن ثمة شكوك في القبول بنتائجه للحضور القوي للقوى ذاتها التي كانت وراء الكثير من متاعب البلاد، وهو ما عبر عنه الدكتور سعد الدين بن طالب، وزير الصناعة والتجارة صراحة قائلا: "من يتحكم بخيوط اللعبة السياسية هي الحلقة ذاتها المسيطرة على الثروة والقوة التي تشكلت بعد الحرب على الجنوب في عام 1994، والتي جعلت من الجنوب أرضا للنهب والغنيمة"، على حد تعبيره، مشددا على أنه: "كان يجب أن تعاد هيكلة الجيش والأمن، قبل بدء هذا الحوار، وأن ينزع السلاح والمال من أيدي هذه القوة الغاشمة ".
ويرى المراقبون أن المخاوف المعبر عنها من قبل السياسي الجنوبي تجاه فاعلية واستمرار تلك القوى، وهو المعروف باعتداله، تحضر بقوة لدى أطراف أخرى تضمهم قاعة اجتماعات المؤتمر وخارجها. فالحوثيون يتوجسون خوفا من بقاء القائد العسكري، اللواء علي محسن علي، ممسكا بجزء من قوات الجيش ومن تحالفه مع خصمهم اللدود، حزب الإصلاح، ومع بعض الزعماء القبليين، كأولاد الشيخ الأحمر، وأيضا بين حلفاء الأحمر، أحزاب اللقاء المشترك، وكل هؤلاء ما زالوا متوجسين من بقاء صالح على رأس حزبه، المؤتمر الشعبي العام وحلفائه، الذي يشارك في الحوار.
ومن خارج قاعة المؤتمر، ما زالت العديد من الأصوات ترتفع منتقدة إقصاءها من المؤتمر، الدكتور عبد الواسع الحميدي، أستاذ القانون والنظم السياسية صرح في حديثه: "إن تشكيلة المؤتمر لم تراع تمثيلا معبرا عن قوى التغيير الحقيقية في البلاد واحتياجات بناء الدولة والمستقبل، أكثر من تعبيرها عن أطراف ومراكز قوى معروفة سلفا، وهذا أمر طبيعي في الحقل السياسي، الواعي بمتطلبات المستقبل وبناء الدولة (...) وتشكيلة رئاسة المؤتمر ظلت محصورة في ذات القوى والأطراف، ولا نعتقد أن ذلك أتى بمحض الصدفة، أكثر من كونه مرتبطا بالنتائج المتوخاة من المؤتمر، ولا نعمم فيما يخص رئاسة المؤتمر، إذ توجد شخصيات لها من الرؤية ما يقلل من المخاوف ".

بين التفاؤل والتشاؤم

 
ويستدرك الحميدي مضيفا: "مع أنني متفائل جدا بالطروحات المتنوعة في مؤتمر الحوار والسقف المرتفع للحرية في طرحها، لكن شخصيا أخشى أن يكون طموح اليمنيين كبيرا من هذا المؤتمر، لكي يصابوا بالإحباط مرة أخرى، عند النتائج وعند التنفيذ.
مقابل الحذر الشديد، الذي يبديه الكثير من المختصين، يبدو الشارع اليمني، ربما تحت تأثير الرغبة الجامحة للخلاص من حالة التوتر الذي أنهكه، غير ميال إلى هذا الطرح، مكتفيا بالتأكيد على أن المؤتمر ليس بمقدوره أن يستوعب كل الأطراف في الساحة اليمنية، وهو الموقف ذاته الذي يبديه المتحمسون لمواصلة استكمال خطوات وإجراءات المرحلة الانتقالية، غير أن مختلف الأطراف تتوقف مليا، كلما استعرضت ثقل مراكز النفوذ التقليدية المهيمنة والمسيطرة منذ عقود، التي تتبوأ واجهة المؤتمر وتخشى من أن تحول الحوار إلى صفقات تنحرف به عن أهدافه المرجوة.

خشية انحراف الحوار أو فشله

الكاتب والناشط السياسي المستقل سامي غالب في تعليقه على ذلك قال: "من الواضح حتى اللحظة، أن القوى المهيمنة ومراكز القوى، استطاعت استدراج المطالبين بالتغيير، مثل شباب الثورة والقوى التي كانت على هامش النظام السياسي إلى مؤتمر الحوار عبر أطر وآليات ونظم وهيئات، تصادر أي إمكانية لتأثير تلك الأطراف وتقلص من فرص تحقيق اختراق لهذا المؤتمر، في صالح تمرير وفرض رؤى دعاة التغيير. ويبدو أن هذه القوى، حسب غالب الأطراف قد توافقت على عدم التهيئة، لخلق مناخ إيجابي لصالح حوار وطني "، مشيرا إلى أن هناك ما يشبه الإجماع على تجاهل ما كانت اللجنة الفنية قد اقترحته، وهو النقاط ال 20 التي كانت تصب في صالح خلق بيئة لحوار وطني حقيقي، وما نراه أشبه ب "هايد بارك" يمني.
وتخلص الأغلبية إلى أنه: "خلال الأسبوعين الماضيين، انحسرت التوقعات بتغيير جوهري، علاوة على أن القرار الأول والأخير بيد شخص واحد، وهو رئيس الجمهورية"، مشيرا إلى أن الغرض من ذلك، تطمين القوى الضعيفة، إلا أن الرئيس في نهاية الأمر، محكوم في حركته بالتحالفات المهيمنة، والنتيجة على الأرجح، هي الخروج بصفقات لصالح تعزيز مراكز النفوذ والهيمنة.
والمهيمنون الذين يثيرون الخشية من الانحراف بالحوار أو الفشل، هم المتحكمون بمصادر القوة والنفوذ العسكري والعشائري والقبلي، كقطبي الصراع - صالح وحلفائه - وآل الأحمر وحلفائهم، حراك الحوثيين، إذ ينظر إليهم، إما أنهم دخلوا الحوار من أجل الحفاظ على حصصهم في النفوذ والقوة غير المشروعة ، أو بأن ينفردوا في تسويات فيما هم لا يمثلون كل المكونات المطالبة بتغيير فعلي يقطع مع كل معوقات الماضي وسلبياته.

بقلم: عبد الكريم سلام