orientpro

عهد الشرق


الإصلاح والمؤتمر والاشتراكي

الكعكة اليمنية من جديد يتم تقسيمها

(3)

قديما تميز الأغارقة اليونانيون بجدل الكلام المقرون بالتأمل والحكمة، وقد وصلوا إلى نتائج تصب في مجرى التأكيد على المنطقين الشكلي والبرهاني، وكانت من ضمن مقولاتهم الصالحة لكل زمان ومكان أن يتم استقراء الظواهر من خلال مقدماتها، وبهذا المعنى أرى أن ننظر إلى مقدمات ومصائر الربيع العربي من خلال الأسباب العميقة التي أفضت إلى هذه النتائج، ولأننا بصدد الوقوف على الموديل اليمني في زمن الربيع العربي، ولأن السؤال المطروح يتعلق بتيار الإسلام السياسي اليمني ممثلا في حزب الاصلاح وامتداداته العميقة اجتماعيا وقبليا وماليا، وحتى في سلطة صنع القرار السياسي، كما كان الحال على عهد الراحل عبدالله بن حسين الأحمر ومن بعده آخرون، فإن من الأهمية بمكان ملاحظة أن الإصلاح كان وما زال في قلب المعترك السياسي الفاعل في القرار، لكن نتائج حرب 1994 م انعكست سلبا عليه في جانب، فيما كرست نفوذ ممثليه الإجتماعيين في معادلة السلطة والثروة في الجانب المقابل، وكذا بدت المخاتلة في تعامل النظام السياسي السابق مع تيار الإسلام السياسي، بل أستطيع القول بكل يقين وثقة إن نظام الرئيس السابق علي عبدالله صالح أسهم في ترسيخ مكانة الإسلام السياسي وفق طرازه اليمني الخاص، وهو طراز جمع فرقا بكاملها، من الأوليغاركيا المالية والعسكرية، بالإضافة إلى بيادق أيديولوجية تتوسل الجواب السياسي من خلال المعيار الديني التاريخي بشكليه الطهراني والبراغماتي، بالترافق مع سياج واسع للشباب الفتي، من المنخرطين في طوبى المثال الذي يقدمه دعاة الاسلام السياسي، الرافعين عاليا راية الفكر الإخواني المسلم.
خلال الانتفاضة الشعبية اليمانية المشهودة لعب حزب الاصلاح دورا هاما، استنادا على قاعدته التنظيمية العريضة، والتحاق قطاعات شبابية واسعة في مشروع رؤيته ونموذجه، وقدرته الفائقة على تغذية ساحات التغيير بمئات آلاف النساء والرجال. لكن ذلك ما كان له أن يتخذ ذلك الزخم الملحمي الجماهيري الهادر لولا تحالف أحزاب اللقاء المشترك، والدور المبادر الاستباقي لشباب الحزب الاشتراكي والناصريين، وغيرهم من المجاميع ذات الافق السياسي المقرون بالأحزاب، بل إن تلك الملحمة برمتها ما كان لها أن تشكل أداة ضغط هائلة لولا الانشقاقات الكبيرة التي حدثت في المؤتمر الشعبي، وكان لها دور حاسم في معادلة القوة والفاعلية العسكرية التي لا تعترف الأنظمة العربية بغيرها .. وللحديث صلة.

من اختطف الثورة؟

يقول البعض بأن تيار الإسلام السياسي اختطف الثورة، ويقول آخرون بأن الثورة لم تنجز أهدافها، وكلتا المقولتين تحملان بعضا من الصواب، لكنهما لا تعبران عن المسار الأشمل لعملية التغيير، بوصفها عملية مركبة ومعقدة ومستمرة، وليس لها أن تقفز على ما كان في الماضي القريب والبعيد . وبهذا المعنى تقتضي النظرة الحصيفة الرائية لأمر المتغير السياسي والمجتمعي العربي، واليمني ضمنا، الإقرار بموضوعية النواميس التاريخية التي تغادر الماضي إجرائيا، لكنها تعيد إنتاجه في ذات الوقت، وبطريقة مأساوية وملهاوية، حتى يكتمل الجنين .. خروجا من ظلمات الماضي. تقتضي هذه النظرة البحث عن الحقيقة خارج ما هو ظاهر وناتئ، فالعملية الانتقالية العسيرة ما زالت سجالا وحربا حامية الوطيس بين الذات الممسوسة بالحلم، والموضوع المجرور على بؤس التاريخ، وما سنراه غدا أو بعد غد أهم بكثير مما هو ماثل اليوم.
تبقى كلمة تتعلق بخيار المبادرة التوافقية الخليجية النابعة من إرادتين دولية وإقليمية، وجدت رجع صداها الطيب في الإرادة الداخلية لفرقاء التوافق، ولولاهم لما كانت المبادرة، ولما تم الوصول إلى مفترق الطريق الراهن.
الحوار والشروع مباشرة لبناء الدولة الاتحادية الفدرالية التي يجمع عليها عقلاء الداخل، ومعهم الحاضن السياسي الدولي يمثل مخرجا إذا اقترن بتدابير فعلية على الأرض تعيد الحقوق لأصحابها عاجلا وبدون تأخير.

بقلم: د عمر عبدا لعزيز