orientpro

عهد الشرق


 

خرافات وحدوية تدحضها حقائق واقعية

التطرق لمواضيع الوحدة والانفصال ينبغي ان يكون على قواعد من العقلانية البعيدة عن العواطف والاهواء، مع الاعتراف بصعوبة تناول مثل هذه المواضيع بعيدا عن الرغبات الذاتية والمصالح الشخصية والقبلية والجهوية والحزبية
كما لاينبغي رفع مواضيع الوحدة والانفصال الى منزلة القداسة والحساسية المفرطة فلا يوجد قداسة لاي وحدة من اي نوع بل احتى اسمى العلاقات الانسانية وهي الزواج يمكن ان تنتهي بابغض الحلال وهو الطلاق اي انفصال الزوجين عن بعضهما ولذلك كانت القاعدة الذهبية في العلاقات الوحدوية الانسانية مبنية على الوحدة بالمعروف او الانفصال باحسان، بمعنى ان الاحترام هو الاساس وليس القداسة. طبعا فض عرى اي وحدة سياسية مختلف من حيث تعقيداته ومشاكله والامور الفنية العديدة، مالية واقتصادية وادراية وقانونية ودستورية وسكانية، ولكنها في الاخير ليست محرمة ولامستحيلة، كما انها فض لشراكة من نوع ما وبداية لعلاقة اخرى قد تكون افضل بكثير من سابقتها اذا بقى الاحترام. بل ان الطرف الرافض لهذا النوع من الانفصال قد يجد فيه ما هو افضل من الوضع السابق له
هذه المقدمة البسيطة هي تمهيد لمناقشة مسألة وحدة وانفصال اليمن بعيدا عن التشنج والتخويف من قبل البعض او الحماسة المفرطة من قبل البعض الاخر او التفسيق والتبديع من قبل اخواننا الاسلاميين. ابتداء لا اعتقد ان هناك كائنا يرفض التوحد في اطار دولة لها مواصفات العدالة والحرية والاستقرار والمساواة، دولة النظام والقانون والمحاسبة. كما لا اعتقد ان هناك من يرفض الانفصال عن دولة مبنية على الفساد والقوانين المتعددة والقبلية المتخلفة والتسلط المذهبي، اليس هذا هو السبب الرئيس لخروج مئات الالاف من الشباب العربي للشوارع من اجل تغيير الانظمة الحاكمة الفاسدة، الم تطالب كل تلك الجماهير باسقاط النظام رغبة منها في حياة افضل؟ النزوع نحو الخير والعدل والنفور من الظلم والجهل نوازع انسانية ينبغي فهمها في هذا الاطار بعيدا عن العنصرية والعنصرية المضادة
الشعب الجنوبي بغالبيته ايد الوحدة اليمنية في عام 1990 بسبب رغبته في التغيير والانعتاق من حكم شمولي بائس ودموي وهو نفس الشعب الذي يطالب الان قطاع عريض منه بنفس المطلب ولكن من نظام آخر وعبر طرق أخرى بسبب قناعات توصل لها قطاع عريض من ابناء الجنوب من استحالة الاستمرار في الوحدة بصغتها الحالية وعدم وضوح اي صيغ اخرى. المؤيدون للوحدة بصيغتها الحالية او بالصيغة الفيدرالية لاشك بان منهم من يطمح في التغيير الحقيقي لليمن كاملة ولانشكك في نوايا احد ولكن مثلهم مثل من يطالبون بالانفصال السريع او فك الارتباط العشوائي لديهم ايضا خرافاتهم واعتقاداتهم التي عليهم اولا مناقشتها بصدق قبل رمي الكرة في ملعب الجنوبيين عن طريق التخويف المبالغ فيه
لذلك اطمح في ان يتفضل علينا الاخوة المتفائلون بالمستقبل المشرق لليمن بان يوضحوا موقفهم من بعض الخرافات التي بنوا على اساسها رغبتهم في الحفاظ على الوحدة اليمنية، مع العلم بان تخوفاتهم وتحليلاتهم فيها الكثير من المصداقية والعمق التحليلي ولكن من اسهل الاشياء ان تحلل موقف الغير وتنتقد افكار الغير وتلقي باللائمة على الغير تماما مثلما يفعل القادة التاريخيون للجنوب كذلك
الخرافة الاولى: ثورة التغيير في اليمن اسقطت نظام علي عبدالله صالح
نظام علي عبدالله صالح هو نظام اسري مناطقي بامتياز استمد قوته من تحالفاته مع زعماء القبائل الاقوياء الذين بدورهم اداروا شؤونهم بانفسهم مع حصولهم على امتيازات كثيرة من قبل الدولة. هل سقط هذا النظام؟ بالطبع لا، بل على العكس هذا النظام هو من ساند الثورة الشبابية وامدها بالزخم وقدم في سبيل نجاحها - على افتراض انها نجحت - تضحيات كثيرة في معارك الحصبة وارحب ونهم. هذا ليس انتقاصا من دور القبائل المؤيدة لثورة الشباب، اطلاقا ولكنها الحقيقة، فالجنرال علي محسن الان بطل قومي، بل ان هناك من يطالب بنصب تذكاري له ونفس الحال مع الشيخ صادق الاحمر والشيخ حميد الاحمر فهما وقود الثورة الشبابية ضد علي عبدالله صالح وليس على نظامه. هل يعقل او يتصور ان يقبل اي من اولاد الاحمر او اولاد ناجي الشائف واي من القيادات القبلية الاخرى بالانخراط في دولة مدنية. اشك في ذلك حتى وان توفرت النوايا، فالثقة معدومة بين كافة الاطراف
الخرافة الثانية: اليمن على اعتاب دولة مدنية حديثة
اذا كان هناك من امكانية لقيام دولة مدنية في اليمن فذلك لن يكون بمشاركة قبائل بكيل وحاشد، او على الاقل الجيل الحالي منهم، قد ربما يتطلب الامر اربعين سنة يتيهون في الارض، اي ان يتغير الجيل الحالي بجيل آخر له ثقافة مغايرة. المناطق الوحيدة في الشمال التي من الممكن قيام دولة مدنية فيها هي المناطق الوسطى ذات الكثافة السكانية العالية حيث الانتماء القبلي فيها اضعف بكثير منه في شمال الشمال. هذه المناطق الان بدأت فيها ايضا نوازع الاستقلالية والانفصال عن بكيل وحاشد، نوازع لم تصل بعد الى مرحلة الرغبة بالانفصال السياسي، لسبب بسيط وهو انه لايوجد في الذاكرة بقايا دولة كانت حاضرة حتى عهد قريب
الخرافة الثالثة: قبائل بكيل وحاشد تريد دولة مدنية
لازالت اتذكر تصريحات الشيخ صادق الاحمر عن ان حاشد تطالب بدولة مدنية، وهو لعمري تصريح غريب. قبائل بكيل وحاشد تدرك ان الدولة الزيدية عائدة الى شمال الشمال وستزحف ببطء جنوبا وهم لذلك سيستمسكون بالوحدة وبخرافة الدولة المدنية التي ستبقي الائمة الزيديون خارج اللعبة السياسية. التنافس التقليدي بين بكيل وحاشد واشتداد سطوة الاسلاميين ونفوذهم وتوسع الحوثيون سيفرض على اليمن في المرحلة القادمة الابقاء على تحالف الدولة والقبلية. حاشد لن تسلم اسلحتها للدولة دون بكيل وخولان والحوثيون
اذن عن اي دولة مدنية يتحدثون. القبائل والشعوب كيانات مختلفة حتى بنص القرآن الصريح ولذلك محاولات فرض دولة مدنية على القبائل تشبه محاولات خلط الزيت بالماء، لن تجدى نفعا
الخرافة الرابعة: المجتمع الدولي يرى الحل للقضية الجنوبية في اطار الوحدة
الاعراف الدبلوماسية تلزم السفراء بالحديث بصيغ معينة تحافظ على شكل وتركيبة الدول التي هم فيها ولذلك لاينبغي التعويل كثيرا على تصريحات السفراء، نعم بدون شك المجتمع الدولي يعرف ان اليمن ليست المملكة المتحدة التي تفاوض فيها احزاب اسكتلندية الحكومة الفيدرالية من اجل الاستقلال، فالمجتمع الدولي يعرف هشاشة الوضع في اليمن وخطورته على الجارة الكبرى المدللة وان انفلات الاوضاع فيها سيعود بعواقب وخيمة على الجميع ولذلك الحفاظ على الوضع كما هو عليه سياسة مؤقتة وليست سياسة استراتيجية، الغرب والمجتمع الدولي ليس لهم أصدقاء سوى المصالح، وهذا هو الواقع واحداث التاريخ القريب مليئة بالامثلة. تأييد المجتمع الدولي من عدمه سيعتمد على من سيستقطب من في معادلات النزاع الاقليمي، المؤشرات تشير الى تأييد الغرب للتكتلات الاسلامية - في الفترة الحالية - من خلال الدعم المقدم من قبل دول قريبة وغنية وهذا ماينبغي وضعه في الاعتبار وليس ايمانا من الغرب بعمق الوحدة او حتمية الانفصال
الخرافة الخامسة: اذا انفصل الجنوب ستنفصل حضرموت
الاجابة البسيطة على هذا الطرح هو فليكن. ما المانع اذا ماتوفرت الظروف المناسبة من حق الجميع ان يعودوا الى قواعدهم وبناء مناطقهم فذلك قد يكون افيد من محاولات خلط الماء بالزيت، قد بيرز بعد ذلك صيغ اتحادية متطورة بين كيانات الجنوب فيما بينها وكيانات الشمال ايضا، اذا توفرت الندية والصدق والاخلاص
قد يكون من المناسب هنا التذكير ايضا بان قبائل شمال اليمن ايضا منفصلة - ومنذ زمن - عن مفهوم الدولة فالكل يعلم ويتندر وهذه احدى الحقائق وليس الخرافات بان الدولة اليمنية سلطتها في العاصمة صنعاء وبعض المدن الرئيسية خصوصا في المناطق الوسطى. القبائل هي الانفصالية لانها لاتستطيع ان تبقى في ظل دولة، هذه سنة الله في خلقه
وبالمناسبة صعدة الان انفصلت عمليا عن اليمن واي حديث غير هذا هو الخرافة بعينها، فبأي حديث بعده يؤمنون
...والحل
اولا ينبغي تشخيص الوضع بالاسلوب الامثل، رمي الكرة في ملعب الجنوبيين من قبل مثقفي الشمال اسلوب خاطيء والقاء اللوم من قبل قيادات الجنوب التاريخية على الشماليين أيضا اسلوب خاطيء. المطلوب ان نحلل الوضع بعيدا عن نوازع المناطقية والطائفية والمذهبية والانتقام والمصالح الشخصية او التجارية. قد يكون من الاسلم للجميع الدخول في حوار حقيقي لايستثني أحدا حتى وان كان موقعه على صفحات الانترنت، فالانترنت قوة لاينبغي الاستهانة بها، بإمكانها قلب انظمة وتغيير قناعات وتكوين رؤى وتصورات عامة ورسم مسارات
ينبغي الاعتراف كذلك بان أصحاب اطروحات الانفصال لايوجد لديهم مشروع واضح او قيادة مجمع عليها، والمطالبون بالوحدة والفيدرالية عليهم اولا توضيح موقفهم من القبائل والقبيلة وخطتهم لتفكيك نفوذ قبائلهم، اذا كان المطالبون بالانفصال انانيون فالمطالبون بالوحدة كذلك، فهم يطالبون الجنوبيين بمساعدتهم على اقامة دولة مدنية في الشمال ، حيث التغيير لن يكون الا من الداخل ومن قبل ابناء الشمال انفسهم بل ومن قبل ابناء القبائل بالتحديد
بالتأكيد هناك خرافات اخرى وربما ايضا شبهات لن يزيلها الا الحوار البناء ولذلك ينبغي ان يظل الحوار قائما فالانفصال لن يتم بعد شهر ولكن الوحدة تخسر مؤيديها يوميا

بقلم : حسام سلطان

hussam_sultan@hotmail.com