orientpro

عهد الشرق


الحق لا يضيع ما دام وراءه مُطالبٌ به

نلسون مانديلا
غادر الزعيم الأفريقي الكبير نلسون مانديلا الحياة الفانية ليترك رسالة ناجزة لكل المنخرطين في الأعمال السياسية والكفاحية، ممن يجدون الأعذار لاستخدام كل الطرق من أجل تحقيق ما يعتقدونه ويصبون إليه. وموجز الرسالة الهامة التي تركها منديلا تتلخَّص في أن الحق لا يضيع ما دام وراءه مُطالبٌ به، وأن طريق المطالبة بالحق المشروع يقتضي أن يكون طريقاً نبيلاً راشداً ورشيداً، وأن لا ينجرف أصحاب الحق إلى مزاولة العنف المجاني وتدمير الدولة.
هذه الرسالة الناجزة جسَّدها مانديلا من خلال رؤية ثقافية إنسانية منفتحة على الآخر، حتى وإن كان بمثابة السجَّان الجلاد، وقد عُرف عنه علاقته الحميمة بسجَّانيه، وكيف أنه كان يلتمس لهم العذر بوصفهم موظفي دولة ينفذون الأوامر التي تأتيهم من السُلطات، وكيف أنهم ينخرطون في سلك الأداء داخل المؤسسة العقابية واكراهاتها العملية في التعامل مع السجناء، وخاصة سجناء الرأي المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة كحال نلسون مانديلا.
اعتمد نلسون مانديلا على قوة الروح وهو يواجه سجناً مديداً، ويخضع للأشغال الشاقة الأكثر إرهاقاً وإيلاماً، كتقطيع الأحجار الصلبة في هجير الشمس الحارقة. ومع إدراكه بأن لا أمل في خروجه من سجنه الطويل، ومع معاناته المضاعفة من أحوال السجن، لكونه يعمل يومياً في مقالع الحجارة، وهو مصاب سابق بمرض السل الرئوي .. بالرغم من كل ذلك، كان السجين الأشهر يستعين بقوة الصبر والنسيان، ومزاولة الرياضة في زنزانته، واحتفاظه بتلك الابتسامة الآسرة التي لا تكاد تفارق شفتيه، وعلاقته الحميمة مع سجانيه، حتى إن الشهادات التي كُتبت عنه من قِبَلهم ارتقت بسجاياه إلى مصاف الإنسان الكامل الذي لا يعرف الحقد والضغينة والكراهية والغ
ضب.

ذلك الصفاء النوراني
صورة مانديلا الفيزيائية للشاب الفتي، مُغايرة تماماً لصورته الطُهرانية بعد أن خرج من السجن، فمن الناحية الإشارية البحتة، بدت صورته الأولى على عهد شبابه مقرونة بالعنفوان والتطيُّر المصحوب بقدر من المُسبقات الذهنية التي لا يمكن تقرِّيها إلا بعدسات الذائقة البصرية الرائية لما وراء الاتصال الصوري المباشر، لكن تلك الصورة تغيَّرت جذرياً بعد تطهره المستديم في سجون الفصل العنصري، فقد خرج مانديلا أكثر تصالحاً مع نفسه، واكتسى سيماء وجه مريح، بصفاء نوراني، وبدت ملامحه مطابقة لملامح شخصية رسالية نبيلة.
لقد انقلبت سحنته رأساً على عقب، ليكتسي قوة معنوية، تستمد وهجها من تروْحن مقرون بالمحبة الصافية النقية.. تلك التي تصل في ذروتها إلى حد استيعاب المُختلف العنيف، مهما بلغ في تطرّفه وتجاوزاته.
صبر مانديلا على المكاره، ولم يتزحزح قيد أنملة عن مواقفه المُعلنة سلفاً، ومطالبته بإلغاء نظام الفصل العنصري، واعتبار البشر سواسية، بغض النظر عن جذورهم العرقية والدينية، وظل في سجنه المديد مُلهماً للمؤتمر الوطني الإفريقي، كما أعْجز سلطات الفصل العنصري الذين لجأوا إلى كل السبل لتليينه، وتغيير موقفه.
لقد استخدموا أكثر العلاقات الاجتماعية حساسيَّة وحميمية في حياته، وحاولوا إغواء زوجته السابقة، لتضغط عليه قبولاً بمرئياتهم، ولم يدركوا قوة الشكيمة التي لديه، وهو البادي بسحنة المتسامح المحب الرافض للموبقات.. لكنهم لم يصلوا معه إلى طريق يُرضيهم.

ذلك الصفاء النوراني
صورة مانديلا الفيزيائية للشاب الفتي، مُغايرة تماماً لصورته الطُهرانية بعد أن خرج من السجن، فمن الناحية الإشارية البحتة، بدت صورته الأولى على عهد شبابه مقرونة بالعنفوان والتطيُّر المصحوب بقدر من المُسبقات الذهنية التي لا يمكن تقرِّيها إلا بعدسات الذائقة البصرية الرائية لما وراء الاتصال الصوري المباشر، لكن تلك الصورة تغيَّرت جذرياً بعد تطهره المستديم في سجون الفصل العنصري، فقد خرج مانديلا أكثر تصالحاً مع نفسه، واكتسى سيماء وجه مريح، بصفاء نوراني، وبدت ملامحه مطابقة لملامح شخصية رسالية نبيلة.
لقد انقلبت سحنته رأساً على عقب، ليكتسي قوة معنوية، تستمد وهجها من تروْحن مقرون بالمحبة الصافية النقية.. تلك التي تصل في ذروتها إلى حد استيعاب المُختلف العنيف، مهما بلغ في تطرّفه وتجاوزاته.
صبر مانديلا على المكاره، ولم يتزحزح قيد أنملة عن مواقفه المُعلنة سلفاً، ومطالبته بإلغاء نظام الفصل العنصري، واعتبار البشر سواسية، بغض النظر عن جذورهم العرقية والدينية، وظل في سجنه المديد مُلهماً للمؤتمر الوطني الإفريقي، كما أعْجز سلطات الفصل العنصري الذين لجأوا إلى كل السبل لتليينه، وتغيير موقفه.
لقد استخدموا أكثر العلاقات الاجتماعية حساسيَّة وحميمية في حياته، وحاولوا إغواء زوجته السابقة، لتضغط عليه قبولاً بمرئياتهم، ولم يدركوا قوة الشكيمة التي لديه، وهو البادي بسحنة المتسامح المحب الرافض للموبقات.. لكنهم لم يصلوا معه إلى طريق يُرضيهم.

شجاعة التنازل الحُر
عندما خرج مانديلا من سجنه لم يتقمَّص ثوب “الثعلب الناسك” بل باشر فض الاشتباكات الاجتماعية بينه وبين أقرب الناس إليه، فكان كأي إنسان طبيعي يتزوّج مرتين ويُطلّق مرتين ليستمر مع زوجة أخيرة ثالثة، وليقول للقاصي والداني إنه ليس قدّيساً؛ بل رجل من عامة الناس يتزوج ويُطلّق، يختلف ويأتلف ويمارس حياته الاعتيادية كبقية البشر.
التسامح والسماحة كانت لصيقة أيامه ولياليه، حتَّى إنه تولَّى دور الزعيم الروحي وهو لايزال مُصفّداً بأغلال السجن، حتى انخطف بسجاياه جموع المُحلِّقين حوله، وكانت الفئة القليلة من الإداريين والسجانين الذين رافقوه في رحلة السجن الأطول يسعدون بإلهاماته، مُعتبرين أنفسهم في عداد المحظوظين لقيامهم بالواجب العقابي تجاه مانديلا؛ ذلك الواجب الذي جعلهم قريبين من خِصاله الحميدة وإشاراته الرفيعة.
ظل مانديلا قابعاً في السجن لربع قرن وعام، لكنه ظل أيضاً مُتماسكاً بفرادة الطيبة، ومحرّك عوالمه الداخلية الخصبة، والرفض الثابت للرزايا، في ذات الوقت الذي تواصل فيه الحراك الشعبي الأُفقي المقرون بدعم دولي لمرئياته ومرئيات المؤتمر الوطني الأفريقي التي كانت تجد مداها على الأرض.
بعد حين قيَّض الله لجنوب أفريقيا زعامة بيضاء، تستوعب المعنى، وتقبض على المغزى العميق لرسالة مانديلا؛ يومها أقرّ نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا أن هذا النظام لا علاقة له بالسويَّة الإنسانية، وعليه أن يكُفَّ عن الوجود، وهكذا جاءت اللحظة الشجاعة للتنازل الحُر، لتثبت أن أقسى المحن وأكثرها بلاءً قد تتحوّل إلى انفراجة، ومناسبة لتقديم المثال الساطع على معنى الحرية والعدالة المساواة.

رئيس الدولة من أجل السلام
خرج مانديلا من سجنه ليصبح أول رئيس أفريقي منتخب لجنوب أفريقيا، لكنه كان على موعد مع الاستحقاق الأكبر والعاصفة الأعتَى، فقد شرع بعض أنصار المؤتمر الوطني الأفريقي في إشهار سيف الانتقام والتلويح بعنف أهوج ضد المستوطنين البيض، فما كان من مانديلا إلا أن طالب ملايين الجماهير الغفيرة في ملعب الاستاد الكبير بمدينة جوهانسبرج العاصمة بالتخلِّي التام والكامل عن أي خيار عُنفي انتقامي، مُتحدثاً إليهم بصفته زعيم المؤتمر الوطني الأفريقي من جهة، ورئيس عموم المواطنين في جنوب أفريقيا، سارداً معاناته الشخصية على مدى ربع قرن من الاعتقال المقرون بالأشغال الشاقة، وكيف أنه يخرج اليوم إلى فضاء الحرية وهو مُحب لجلاديه بالذات، رافضاً أي عنف محتمل ضد المواطنين البيض.
قائلاً بلسان الحال: أنا رئيس الدولة من أجل السلام والتضامن والمواطنة المتساوية، ولستُ رئيساً لتصفية الحسابات والانتقام، ومشروعي لجنوب أفريقيا يُختصر في التسامح والتصالح والشروع في مرحلة للعدالة الانتقالية، تُجبر ضرر المتضرّرين، وتغفر لمن التبس بالدولة، مُنفذاً كان أو صانعاً لسياسات الفصل العنصري.
كلماته الواضحة، وإصراره على أن تعبيره عن إرادة الناخبين مرهون بقبول من اختاروه لمنهجه السلمي الرافض للعنف، حوَّلت المشهد الانتقامي المفترض إلى حقيقة واقعية، مداها جنوب أفريقيا المُتصالحة القابلة لتعايش الأنساق والثقافات، والتخلِّي عن الماضي البائس غير مأسوف عليه.
تلك محطات عابرات من عوالم مانديلا الكبير، الراحل عن دنيانا، وقد ترك لنا رسالة ناجزة تستحق الاستعادة والاستفادة من قبل كل الواقعين في خيارات العنف والبؤس.

بقلم: د.عمر عبد العزيز