orientpro

عهد الشرق


لماذا فشلت محادثات اليمن للسلام..!


باءت محادثات السلام لإيجاد مخرج للحرب بين التحالف الذي تقوده السعودية والمتمردين الحوثيين بالفشل في، 9 يونيو، في جينيف. ولم يكن هذا مستغربا. فالمحاولة الأولية لعقد محادثات سلام في أواخر مايو، انهارت حتي قبل أن تبدأ , وفي مناسبات أخرى في مايو وأبريل رفض المتحاربون الإلتزام بوقف لإطلاق النار بغرض السماح بتوصيل الإغاثات الإنسانية , وحتي بعد أن وصلت الوفود اليمنية جينيف في منتصف يونيو، رفضوا أن يتقابلوا وجها لوجه، مما أجبر الموظفين الأمميين للقيام برحلات مكوكية بين الحجرات والغرف.

سيكون من الصعب إنهاء الحرب الدائرة في اليمن الذي لم يعرف الوحدة الوطنية إلا منذ وقت قصير بعد تاريخ طويل من التشطير والشقاق. والمتوقع أن تزداد فداحة الأزمات الانسانية، مع طول أمد الصراع- 21 مليون يمني، بحتاجون مساعدات إنسانية - وأن ينشأ فراغ سياسي خطير يزدهر فيه مؤيدو القاعدة ودولة الإسلام المسلحون.

كثير من المحللين ينظرون إلى هذا الصراع علي أنه حرب بالنيابة بين المملكة العربية السعودية وايران. وآخرون يصفونه بأنه صراع مذهبي بين مسلمين في طرفي الإنقسام السني-الشيعي، الذي هو بالطبع يميز التوتر السعودي-الايراني. وهنك شيئ من الحقيقة في وجهتي المنظورين، إلا أنهما يبسطان ما هو أصلا مشكلة مركبة معقدة. قد يكون من الصعب للغاية إنهاء هذه الحرب مع المحافظة علي وحدة أراضي البلاد، والسبب الحقيقي لهذا هو أن تفتقد إلى اللحمة الوطنية.

كانت اليمن فاقدة اللحمة الوطنية منذ بداية وحدتها التاريخية عام 1990. فلم يمر عامين، إلا وبدأت سلسلة من الإغتيالات السياسية، التي سممت الأجواء وأدت إلى حرب أهلية عام 1994.

وبعد ذلك، استمرت الوحدة فقط بالقوة العسكرية، حيث أنه حينئذ دعم الرئيس علي عبدالله صالح مكاسبه في ساحة الحرب، بينما خنق حقوق الشعب السياسية والمدنية. يتميز تاريخ اليمن بحروب واغتيالات لا تنقطع، ولم تنعم أبدا بفترات طويلة بحكومة مستقرة بقيادة سلطة وطنية حاكمة واحدة. علي النقيض، تميز ماضيها بسلطات عديدة وتشظي مناطقي.

حقيقة أن اليمن تفتقد إلى اللحمة الوطنية، غالبا ما يتم تجاهلها من قبل اللاعبين الخارجيين الأقوياء، مثل العربية السعودية والولايات المتحدة، اللتان تخشيان المزيد من عدم الإستقرار وإنعدام الأمن في إذا ما انفرط عقد البلاد. قبل هذه الحرب الجارية، كانت القوي الخارجية وحدها هي التي تتظاهر بأن الوحدة اليمنية شيئ حقيقي، تماما مثل ما كانت الحكومات الأجنبية، وصناديق الإقراض الدولية تضخ الأموال إلى بلد يعاني من حالة مزمنة من الترنح علي حافة الإفلاس.

خلال العقدين الماضيين، كانت قيادة البلاد دارية وحريفة للغاية في كيفية ممارسة هذه اللعبة. أصبحوا شطارا في شفط المساعدات الخارجية من أكبر عدد ممكن من المصادر الأجنبية، و يتبخترون ويفشرون بها كإنجازات لهم للمحافظة علي المصلحة الوطنية العليا، بينما هم في الحقيقة لا يمثلون الشعب. منذ 2011، أنفقت العربية السعودية، بالتعون مع دول مجلس التعاون الخليجي مبالغ هائلة، لتكوين حكومة وطنية جامعة.

ديناميكية مشابهة رأيناها في محادثات جينيف القريبة. ولا واحد في الوفود كان يمثل شرائح كبيرة داخل البلاد، وأيضا فإن الكثير من القوي التي تحارب علي الأرض لم يدعها أحد للمفاوضات. أعضاء وفد الحوثي في جينيف، قد يكونوا ممثلين لأكبر مكون. ومع هذا فإن حجم مؤيديهم غالبا ما يتم المبالغة به من قبل الصحفيين المفتونين بخيالات أنها كانت جماعة متمردة مستضعفة في بداياتها في سنة 2000 وما بعدها، وكذلك الإعجاب بادعائها وشعاراتها الرنانة بكافحة الفساد والفقر. إذا أخذنا بالتركيبة الديموغرافية لليمن، وبأن الغالبية العظمي للسكان موجودون خارج المساحات التي تعد تقليديا زيدية، فانه كما يبدو فإن الحوثيين لا يمكن أن يقترب التأييد لهم حتي إلى ربع السكان.

سيطرة الحوثيين علي البلاد، ستكون علي نقيض من مطالب اليمنيين المحتجين الذين خرجوا في مسيرات عارمة من أجل التغيير والحكومة الصالحة والعدالة الإجتماعية والحكم المحلي الذاتي، خلال أيام الربيع العربي. معظم أبناء الشعب اليمني، يعارضون القادة الحوثيين، لأنهم يمثلون قيم الثورة المضادة، المحنطة من أيام ما قبل 1962، عندما كان شمال اليمن يحكم بملكية زيدية، تستند تاريخيا إلى كرسي في صعدة، التي هي مسقط رأس الحوثيين. اكتسب الحوثيون، مؤخرا، قوة كبيرة بتحالفهم المؤقت مع الرئيس السابق صالح، الذي أجبر علي التنحي، بسبب إحتجاجات 2011. كان صالح قد خاض ساة حروب ضد قوات الحوثي المتمردة فيما بين 2004 و 2009، لكن في 2014، أغواهم بأن يقوما معا بالإنتقام من منافسهما المشترك الفرع اليمني للإخوان المسلمين. مؤخرا، نصب الحوثيون أنفسهم علي أنهم "قادة الدفاع عن الأمة"، لكن تحالفهم مع صالح لا يجعل منهم خونة لثورة 2011 الشعبية فحسب، ولكن خونة أيضا للثورة التي أنهت الحكم الزيدي في 1962. ببساطة، لا توجد لديهم أي فرصة بأن يوحدوا الوطن من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.

في يناير، عندما أبرز الرئيس عبده ربه منصور هادي، دستورا جديدا للبلاد، كتب بناءا على مخرجات الحوار الوطني، الذي أنجز في 2014، تحرك مقاتلو الحوثي بالقوة ومعهم قوات صالح ضد الرئيس واختطفوا مستشاره الأول وحاصروا منزل الرئيس بالدبابات. صالح والحوثي، بصفة مبدئية، عارضوا الدستور الجديد، لأنه اشتمل علي أهم توصية في مخرجات الحوار الوطني : التركيبة الفيدرالية للجمهورية اليمنية. بالرغم من أن التوصية، أتت من الحوار الوطني 2013-2014، لكنها أيضا جزء من المبادرة الخليجية والجهود الدبلوماسية التي بدأت في 2011، لخلق فترة انتقالية مستقرة، لما بعد أيام صالح.

معارضة صالح والحوثي للدستور الفيدرالي، هو أهم سبب للحرب. ممثلو الحوثي، أعلنوا جهارا عدم موافقتهم علي حدود الستة أقاليم الفيدرالية، بقولهم أنهم يريدون ميناء علي البحر الأحمر في الإقليم الذي رسم لعاصمة اليمن صنعاء. حاول هادي و مستشاروه تهدئة خواطرهم، بالتنويه إلى أن الحدود الفيدرالية يمكن إعادة رسمها، لاحقا. الخريطة الفيدرالية، كان قد تم رسمها، بعد كثير من الحلول الوسط والمفاوضات بين العديد من ممثلي كل الأقاليم، أي أن الحوثيين لم يكونوا الوحيدين الذين كان متوقعا منهم أن يقبلوا بأقل مما رغبوا.

الحوثيون وصالح، لم يكونوا فقط مهتمون بالحصول علي ميناء في البحر الأحمر. كانت معارضتهم بصفة جوهرية هي للتقسيم الفيدرالي، لأنه سينتقص من إجمالي قوتهم تأثيرهم ونفوذهم. ما يسعون بعده، هو السيطرة علي كل البلاد، كما تدلل عليه تحركاتهم العسكرية اللاحقة. عبر التاريخ، المنطقة الزيدية في اليمن الواقعة بين صعدة وصنعاء، هي شحيحة الموارد ذات القيمة، ولهذا فإن قياداتهم ولأزمان طويلة متعاقبة لجؤوا إلى الغزو واقهر للحصول علي الموارد من الأماكن الأخرى. أي لا مركزية في القرار مع فيدرالية، هي تهديد لمصالح مجاميع الزيود. وهذا يشرح لم كان صالح- الذي ينتمي للمنطقة الزيدية- معارضا للامركزية حقيقية خلال فترة حكمه التي امتدت أربعة عقود تقريبا.

عندما كان رئيسا، لطالما اتهم صالح المطالبين بالفيدرالية بأنهم خونة. علي سبيل المثال، قبل حرب 1994، عندما طالب شركاؤه من الحزب الإشتراكي الجنوبي، الإصلاحات الفيدرالية، اتهمهم صالح بالتآمر مع قوي خارجية، هي العربية السعودية. وقام بشن حرب 1994 كعمل عدواني لغزو وقهر المحافظات الجنوبية. عندما انتهت الحرب، استمر معظم سكان الجنوب بالشعور بأنهم تحت الإحتلال العسكري الشمالي. هذه الهواجس والأحاسيس، هي، جزئيا، ما سعت المبادرة الخليجية إلى التجاوب معها.

الجهود التي قادتها دول مجلس التعاون الخليجي، لإنشاء حكومة فيدرالية في اليمن، كانت آخر وأفضل فرصة لبناء وطن مستقر شبه متحد. لم تكن الفيدرالية أبدا هي الحل الأمثل لمشاكل اليمن. من عدة وجوه، كان الوقت قد تأخر كثيرا في2012-2015 للتفكير في إصلاحات بوحي من الفيدرالية. طوال العقد الماضي، كانت اليمن قد أصبحت دولة فاشلة، قبل الربيع العربي بمدة طويلة، لأن مؤسساتها كانت قد تحللت وتآكلت تحت وطأة التمردات الداخلية. الوضع المثالي، كان تبني الخيار الفيدرالي في بداية التسعينات، عندما طالب بها اليمنيون، للتغلب علي المشاكل التي ظهرت بعد الوحدة. ربما الفيدرالية، لم تكن لتنجح في الفترة 2012-2015-، لكن ببساطة لم يكن هناك خيارا آخر لتماسك البلاد في قطعة واحدة.

في يومنا هذا، يصعب تخيل إمكانية ترميم اليمن لتعود أمة في دولة واحدة. لا يوجد مركز ثقل، وبين مراكز القوي المحلية العديدة، ولا واحدة منها يمكنها السيطرة علي أكثر من ربع البلاد. لقد تأخر الوقت، ليتعامل قادة العالم بواقعية مع مشاكل اليمن.

إنكار التقسيمات المناطقية، وتجاهل الحاجة إلى لامركزية سلطة إتخاذ القرار، خارج المناطق الزيدية التقليدية، حول صنعاء، سيفاقم الصراع المسلح لسنين طويلة قادمة. بالرغم من الأولوية، يومنا هذا، يجب أن تكون لإيقاف الحرب، وإرسال إغاثة إنسانية عاجلة للشعب، فإنه لا صالح ولا الحوثي ولا أي من نخب صنعاء الأخرى يجب السماح لها بأن تحتكر السيطرة السياسية والإقتصادية علي البلاد.

ستيفن داي
12 يوليو 2015