orientpro

عهد الشرق


بين عدوانين :


عاصفة الحزم عدوان خارجي صريح، بصرف النظر عن الطرف الصادر عنه ، والطرف الداخلي المستفيد أو المتضرر منه. ( مع أن البلد كله ، في الواقع ، متضرر منه ، من وجوه عدة. اذ حتى مع افتراض ان هناك طرف أو أطراف داخلية مستفيدة منه حقيقة، على وجه اليقين' فلا يغير ذلك من حقيقة أن العاصفة عدوان ، طالما وأن هناك طرف يمني متضرر منه' مهما كان حجم هذا الطرف. فالنظر هنا ينطلق، أو ينبغي أن ينطلق من زاوية تأثير العدوان على أسس الإجتماع اليمني' حاضرا ومستقبلا).
ولكن ماذا عن مايجري في المحافظات : عدن ' لحج ' تعز' مأرب ' شبوة... ؟! هل يمكن ' دينيا ' أخلاقيا ' وإنسانيا ' إدانة العدوان الخارجي ' مع كون ذلك واجبا' والتعامي وغض البصر عما يجري داخليا في المحافظات ؟! هل يمكن، فيزيائيا حتى، أن الناس شاخصون بأبصارهم الى السماء وإدانة مايأتي منها دون اكتراث بمايجري على الأرض ؟! أوليس الأبعاد ، فيزيائيا ايضا ، طول وعرض وارتفاع ؟! فكيف يمكن إّذا أن نطلب من الناس ، وخصوصا سكان تلك المحافظات، النظر الى الأمور ببعد واحدا فقط ؟!
قانونيا ، لايمكن توصيف مايجري في المحافظات بإنه تمرد وعصيان ومقاومة للسلطات ، كما قد يقول البعض، لسبب بسيط ، هو أن المسلحين الذين أجتاحوا تلك المحافظات ، لايمثلون السلطات، اي أنهم لايمثلون الدولة " كمنظومة دستورية، بمؤسسات تمثيلية شرعية" بل هم يمثلون مليشيات صالح والحوثي، كما هو مدرك بالبصيرة والبصر.
وإنتماء بعض اولئك المسلحين الى وحدات تنتمي ، في الأصل ، للجيش، المفترض تبعيته للدولة ، لايغير شيئا من حقيقة أنهم، لايمثلون الدولة بأي حال ، حتى وان أرتدوا زي قوات الجيش والأمن.
ذلك أن الدولة هيئات ومؤسسات وآليات قرار ، ذات صفة رسمية وشرعية، وليس مجرد أزياء وألوان وعتاد وآليات وذخائر. وهو الأمر الذي يجعل من تواجد تلك المليشيات في المحافظات المشار اليها ،عدوانا داخليا مكتمل الأركان ، ليس لاجتياحاتها للمحافظات فحسب ، بل ولاستيلائها وتسخيرها للممتلكات والمقدرات العامة في إجتياحاتها تلك ، بالخروج على مبادئ وقواعد الشرعية الدستورية والقانونية

(هذا مع ملاحظة :
*- أن أفراد تلك المليشيات تخلوا عن أزيائهم الشعبية المعتادة والأزياء العسكرية المعروفة وعمدوا الى ارتداء أزياء المحافظات التي أجتاحوها ويحاولون إحكام السيطرة عليها ، وهو سلوك لايليق الا بالمليشيات.
*- وأن محاولات إضفاء صبغة سياسية محددة على " المقاومة الشعبية" في المحافظات ، كما يفعل كثير من المتذاكين ،قولا بأنها " إصلاحية " حصرا ، هي مما يؤكد " الملشنة " وينفي " الرسمنة " بصورة مطلقة. على نحو يجعلنا ، في أحسن الأحوال إزاء إحتراب أهلي ، وليس إزاء دولة وتمرد، بأي حال).

حشر الناس في دائرة الثنائيات المغلقة و" الفتنوية "، هو أول مايتوجب رفضه ، كونه يمثل قيدا ثقيلا على إراداتهم الحرة في تحديد مواقفهم وتحمل أعبائها، طوعا وإختيارا.
من الوارد أن يكون لأطراف العدوان، الداخلي والخارجي ، حسابات خاصة ناجمة عن تفاصيل الصراع بينهما ، مما لاندركه ولايدركه الناس العاديون ، غير أن ذلك لايبرر ، بأي حال من الأحوال ، أن يصير مواطني المحافظات حطبا للصراع بينهما .
إدانة العدوان الخارجي ، والمطالبة بإدانته ،مع غض الطرف عن العدوان الداخلي، موقف أعور ، بل مفقوء العينين ، أخلاقيا وإنسانيا .
رفض العدوان الداخلي ورفض العدوان الخارجي ، وحده الموقف الممكن أن يحفظ للناس( جلهم إن لم يكن كلهم) توازنهم النفسي الضروري، ليبقوا على قيد الإنسانية، في رأيي.
وليهيئ لنا الله من أمرنا رشدا .

هائل سلام
27ابريل 2015