orientpro

عهد الشرق


عالم جديد بنكهة إبراهيم


من عادة البشر شيطنة الأحداث، وإيجاد وسيلة لتحقيق أهداف تخدم مصالحهم الشخصية، من خلال افتعال، أو تسليط بؤرة الضوء، على مواقف وأحداث سوف تستخدم على المدى القريب والبعيد، على حد سواء، لإضعاف أطراف، أو إيقاعهم تحت وطأة ضغوط؛ والهدف هو الاستفادة بأكبر قدر ممكن من الحدث. فهل يختلف موقف الحكومات عن مواقف البشر العادي؟ الإجابة بالطبع (لا) لأن الحكومات قوامها جماعة من الأفراد، وليس الملائكة.
كل يوم يطالعنا العالم بأخبار جديدة عن اندلاع حروب، واشتعال مناوشات، وبدء صراعات، وتفشي أنواع من الإرهاب والجرائم، تستهدف مدنيين بلا رحمة. وأغلب تلك الجرائم والأفعال الشنيعة القاسم المشترك بينها هو، التناحر الديني والطائفي، خاصة بين الطوائف التي تنتمي للأديان السماوية الثلاثة، التي تعرف باسم «الأديان الإبراهيمية» أو الأديان التوحيدية، التي تؤمن بوجود إله واحد خالق للكون. وعلى الرغم من أن الأديان في الأساس هي مجموعة من النواميس، تستهدف خلق نوع من التجانس والتفاهم بين أطياف البشر، وتدعو للمحبة والتسامح، لكن بالتأكيد، البشر ليسوا ملائكة، والتنافس والتناحر أحد أهم وأقوى شيمهم. ومن ثم، بدل اكتفاء الفرد بدينه، واحترامه للأديان الأخرى المغايرة، أخذ يحارب كل ما هو مغاير لمعتقداته، بما في ذلك الطوائف الأخرى التي تنتمي للدين نفسه الذي يؤمن به. وعبر العصور المختلفة، يحاول العقلاء خلق جو عام من التسامح، لكن بدون أدنى جدوى؛ فالاشتباكات وأفعال الكره لا تهدأ.
وفي ظل الأحداث الدامية التي يموج بها عالمنا لبسط الهيمنة والنفوذ، وجد أصحاب المصالح متنفسا لمخططات شريرة للاستيلاء على دول ومناطق بأكملها، بدون إراقة قطرة دم واحدة. وكانت كلمة السر التي تفتح المغاليق هي «نشر الود والتسامح» وانطوى ذلك على استحداث ديانة تشتق نواميسها من الأديان السماوية الثلاثة – اليهودية والمسيحية والإسلام (حسب ترتيب نزولهم) – وتدعو إلى نشر التسامح وقبول الآخر. وبما أن الديانات السماوية تسمى بالديانات الإبراهيمية ـ نسبة إلى سيدنا إبراهيم أبو البشر، الذي تعترف به الأديان الثلاثة، فالديانة المستحدثة أطلق عليها «الديانة الإبراهيمية الجديدة».
ومصدر» الديانة الإبراهيمية الجديدة» مراكز بحثية ضخمة وغامضة، انتشرت مؤخرا في ربوع العالم، وأطلقت على نفسها اسم «مراكز الدبلوماسية الروحية» ويعمل على تمويل تلك المراكز أكبر وأهم الجهات العالمية، مثل: الاتحاد الأوروبي، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والولايات المتحدة الأمريكية. والرؤية والرسالة الظاهرية لتلك المراكز البحثية تعتمد على توكيد أن «الأديان» هي السبب الرئيسي والجوهري لإشعال أشد الصراعات عنفا على مرّ العصور؛ والسبب عدم تقبل الآخر بسبب عدم فهم نصوص ديانته. ومن ثم، أخذت «مراكز الدبلوماسية الروحية» التي تعمل في إطار نشر المحبة والتسامح على عاتقها مهمة دعوة كبار رجال الدين في الأديان الإبراهيمية الثلاثة، من أجل إيجاد قيم عامة مشتركة بين الأديان، مثل: المحبة، والتسامح، المساواة، والتعايش، وتقبل الآخر، إلى غيرها من القيم الحميدة. ثم تشرع في بثها، خاصة بين الأجيال الجديدة من أجل غرس كره خفي للأديان التي يتبعونها، وخلق ميل إزاء اعتناق الدين الإبراهيمي الجديد. وقد بدأت، بالفعل، «مراكز الدبلوماسية الروحية» في تنفيذ مخططاتها على نطاق واسع. وبما أن النشء موضوع على رأس الفئات المستهدفة، قامت تلك المراكز بتوزيع كتيبات تنطوي على مجموعة من القيم السامية على المدارس الدولية (والمعروفة باسم المدارس الإنترناشيونال) التي تشتهر برفضها لتدريس مادة الدين، وبدلا منه تحرص على تدريس مجموعة من القيم العامة، تعطى للطلاب في شكل كتيبات تغطي قيم الدين الإبراهيمي الجديد. فما يحدث بالفعل هو عملية غسيل مخ للنشء؛ بغرض إعداد أجيال تُقبل على اعتناق الديانة الإبراهيمية الجديدة عند طرحها في المستقبل القريب على أنها الدين العام العالمي. وعندئذِ، تتحول المراكز البحثية إلى أماكن ومزارات مقدسة تحل محل المعبد والكنيسة والجامع.

    إقرار السلام يتطلب حسابات أخرى تكفلت بها مراكز «الدبلوماسية الروحية» التي رأت أن حل الصراعات ممكن إذا أعيد تفسير النصوص الدينية بشكل تنويري يحقق السلام. وعند وجود أي نص عدائي أو يدعو للعنف، يأتي هنا دور القادة الروحيين في إعادة التفسير والتأويل.

وقد يرى البعض أن الدين ونشر القيم ليس له علاقة بالسياسة الخارجية. لكن مع تغيير الاتجاه العالمي للسياسة الخارجية، تم توظيف الدين كأحد ركائز الحلول المطلقة لمعضلات سياسية، وبالفعل، تم اختبار ذلك في حيز محدود في ما يسمى بـ«مؤتمرات حوارات الأديان» التي ساهمت في تهدئة أوضاع متأزمة بين الدول، على نحو نخبوي. لكن إقرار السلام يتطلب حسابات أخرى تكفلت بها مراكز «الدبلوماسية الروحية» التي رأت أن حل الصراعات ممكن إذا أعيد تفسير النصوص الدينية بشكل تنويري يحقق السلام. وعند وجود أي نص عدائي أو يدعو للعنف، يأتي هنا دور القادة الروحيين في إعادة التفسير والتأويل. وذلك الاتجاه ليس بالغريب أو البعيد عن عالمنا المعاصر؛ حيث يطالعنا الإعلام في كل يوم بوجوه جديدة لا ترتدي عباءة رجال الدين، لكن تدعي التنوير والتدين، وتأخذ في إعادة تأويل النصوص الدينية، ونصوص التفسير لتمهيد الطريق لعمل مراكز «الدبلوماسية الروحية» التي تنتشر في مراكز الصراع، وتركز على قيم الود والتسامح، خاصة ما يختص بالقضايا الشائكة في الشرق الأوسط. وعلى هذا، تُرسخ في الأذهان فكرة أن الأديان القائمة في شكلها الحالي، ما هي إلا مصدر للمتاعب، ويجب إعادة تأويلها بشكل مسهب لدرجة تمنح الدين وقضاياه ميوعة لا يمكن بعدها تمييز قيم دين عن الآخر.
ولتسهيل مهمة «مراكز الدبلوماسية الروحية» كان من اللازم تقريبها للجمهور من الناس، وتقديمها مدنيا – تحت مسميات مختلفة – على أنها مراكز تنموية تقدم مساعدات مادية وعينية للمتضررين في أماكن الصراع. وبوصفها مراكز روحية، فإنها تعمل على تقديم الرعاية الطبية، وتقديم المساعدات العينية، وتمول المشروعات الصغيرة. وبالتأكيد، المعين الذي لا ينضب لتلك المراكز هو التمويلات الضخمة التي تتلقاها من صندوق النقد، والبنك الدولي، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة. وشيئا فشيئا، يسهل الانصراف عن الأديان السماوية، واستبدالها بالدين الجديد، الذي اتخذ شكلا ملموسا على أرض الواقع، تجسد في اتجاه الكثيرين لاعتناق مجموعة من القيم والأفكار الروحية السامية، بدون التطرق لمفاهيم الأديان وتعقيداتها.
توظيف القوى الناعمة في حسم الصراعات لصالح الدول الباحثة عن الهيمنة، وبسط النفوذ، يضمن أفضل النتائج، بدون تكبد خسائر مادية، أو دفع فاتورة حرب باهظة الثمن. فمن خلال نشر قيم الدين الإبراهــيمي الجديد، لن يجد الأفراد غضاضة في تقبل بسط دول أخرى نفوذها عليهم، حتى إن كانت محفورة في الأذهان كدولة معادية. وبما أن المستهدف هو الجيل الجديد، كان لابد من تشويه معالم أديان بعينها. ولعل ذلك يجيب التساؤل عن سبب تمكين تيارات الدين السياسي في المنطقة، بعد ما يسمى بثورات الربيع العربي.
نعيمة عبد الجواد
2020