orientpro

عهد الشرق

الاستشراق الأوروبي

(1)


ليس هنالك من دين أو ملة نالت اهتماما واسعا من الغرب الأوروبي كما هو حال العرب والمسلمين ودينهم .. فالاستشراق الأوروبي يمتد بأقدامه إلى عمق الذاكرة الممارسية والمعرفية الأوروبية سواء بالتفاعل الإيجابي أو بالمسبقات الذهنية السلبية .. فقد كانت الكنيسة الانجليكانية في القرون الوسطى تعتبر دراسة آداب العربية أصلا أصيلا في فقه الكهنوت حيث كانت الأديرة والكنائس بمثابة مكتبات تتوفر فيها أهم المؤلفات والمراجع الفكرية العربية، الإسلامية.
لذا ليس غريبا القول بأن المصلح الكبير توماالاكويني استمد رؤيته من خليط مفاهيمي يمازج الغنوصية (الصوفية) المسيحية ونظرات الإسماعيليين المتاخمة للتعاليم والأفكار الإغريقية .. أيضا كتابات الشيخ محيي الدين ابن عربي التي وضعت أقدام (توما) وكوكبة من كبار المصلحين المسيحيين على عتبات النظرة الأكثر صوابا وتسامحا.
نستطيع أن نضيف إلى جانب (توما) المصلح (سافونارولا) والصوفي المتطير (جوردانو برونو) والعالم (جاليليو جاليلي).
وبانتقالة واسعة إلى تخوم القرنين الثامن عشر والتاسع عشر سنجد أن الاستشراق أخذ طابعا مغايرا فبدلا من التأثر بالفكر العربي الإسلامي بدأ البحث عن هذا الفكر من خلال افتراض نسفه من داخله وتبيان تهافته! .. وافتراض أنه حالة انتقائية تلفيقية لمزيج من الأفكار اليهودية والمسيحية حيث وجدنا علماء التاريخ من المستشرقين يركزون على تاريخ الرسالة الإسلامية ومقدماتها وبيانها النصي في أفق يسعى إلى التشكيك في روح الرسالة الإسلامية توطئة لمسحها من العقول وتمهيدا للحملات الاستعمارية.
لكن هذه المتاهة المركزية النابعة من عقل استعلائي رافض للتطور اصطدمت هنا وهناك ببعض المستشرقين الذين غاصوا في أعماق الدين الحنيف وعرفوا مراميه ومقاصده حتى انهم وصلوا إلى يقين إيماني كالذي عرفناه في المستشرق الفرنسي ماسينيون والمفكر الكبير روجيه جارودي.
كلاهما وصل إلى الإسلام بالرغم من تباين منطلقاتهما .. كما أنهما قاما بدور كبير في الترشيد للإسلام الحقيقي البعيد عن التوصيفات والتصنيفات المجانية التي دأب على اجتراحها بعض المستشرقين.
في أيامنا الراهنة نلاحظ أن المستعربين ذوي المنابت الثقافية اللاتينية وبالمعنى الواسع للكلمة أقرب إلى تفهم روح الإسلام .. تماما كما رأينا مع الثنائي جارودي وماسينيون نجد أيضا ثنائيا معاصرا ومقابلا في رومانيا هما (ناديا انجيليسكو) و (جورجي جريجوري) .. وهذه واحدة من الأمور التي تستحق النظر خاصة إذا عرفنا أن أوائل المصلحين الكنسيين ينتمون إلى الكنائس ذات المنشأ والثقافة اللاتينية في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا.
والغريب حقا أن التاريخ يعيد نفسه حتى على المستوى السياسي حيث نجد التحالف الوثيق بين الانجلوسكسونيين في الولايات المتحدة وبريطانيا تجاه تفاصيل المجريات اليومية في العالم العربي ورغما عن الثقافة السياسية والخبرة التاريخية المميزة لبريطانيا في المنطقة العربية.
خلاصة القول إن الاستشراق له وعليه .. والموضوع يتجاوز الأبعاد المرتبطة بتاريخنا إلى تفاصيل سياسية وفنية وثقافية لا يتسع لها المقام والمقال.

المسلمون والثورة المعرفية الأوروبية

في فترة الوجود العثماني في بعض الأقاليم الرومانية أثر المسلمون الأتراك في لغة القوم، فدخلت مفردات عربية نذكر منها مثالا لا حصرا مفردات من مثل: حبر، كيف، دولاب، جزمة، بنطلون، كمين، الخ تقابلها بالرومانية: habar، طاه، دولاب، gisma ، pantalon، camin على المستوى الديني، معروف أن فقه الديانة المسيحية الرومانية أصل في الأرثوذكسية الكنسية ذات الحضور الكبير في الأفق الثقافي السلافي وفي مقدمة الركب الروسية، وتفريعا البولندية والبلغارية والصربية والعديد من مناطق ولغات شرق أوروبا .. والمعروف تاريخيا أن المذهبين الأساسيين في الخيارات المسيحية الأوروبية هما الارثوذكس والكاثوليك، اللذان توزعا في عموم أوروبا على أسس قومية أحيانا، وفوق قومية أحايين أخرى، فإذا كان البولنديون «السلاف» أقرب إلى الكاثوليكية الكنسية، فإن الرومان «اللاتينيين» أقرب إلى الأرثوذكسية الكنسية، مما كان له أثر مؤكد في النظرة الدينية للنص القرآني، فالمعروف أن الكنيسة الأرثوذكسية أقرب إلى الكنائس الشرقية من حيث الدقة في التعامل الظاهري مع نصوص الديانة المسيحية، والإقلال من مظاهر الزينة والبهرجة الكنسية، وعدم التوسل الدائم للوسطاء بين الحق والخلق، فيما الكاثوليكية أقرب إلى التنوع ومنح مكانة استثنائية للرهبان والقساوسة وتعددية الوصول إلى الحق استنادا إلى الاقانيم الثلاثة المعروفة في «المسيحية: الله / الابن / الروح القدس» ولقد كان الصراع التاريخي بين الأرثوذكس والكاثوليك موازيا لذات الصراع المرير الذي كان بين الكاثوليك والبروتستانت، ولم يكن ذلك الصراع دنيويا فحسب، بل كان أيضا لاهوتيا كنسيا يتعلق بالمفاهيم والنظرة لأمور الفكر والديانات، وكان من الطبيعي والأمر كذلك أن ينال الإسلام اهتماما واسعا من تلك الفرق المسيحية سواء في قراءة تاريخه أو في ترجمة النص القرآني مما نكتشفه في شواهد الجدل العقلي والنقلي، ودرجة التعامل مع آداب المسلمين الكلامية والفلسفية والعلمية، وصولا إلى بداية البداية لثورة معرفية أوروبية نبعت من الكنيسة ثم انتشرت في الآفاق.

ترجمة القرآن رورمانيا

الترجمات القرآنية باللغة الرومانية تقتضي ملاحقة ثنائية «الميتافيزيقا والبرهان» بوصفهما الضابط التاريخي لتلك الترجمات، وسنبحث ضمنا عن حالة مفارقة اعتمدت الابستمولوجيا لغرض التمهيد الراسخ لترجمة أبعد ما تكون عن البعدين الميتافيزيقي والبرهاني، من حيث إنها تنوع على «منزلة بين المنزلتين» فلا تأخذ البرهان الصرف ، ولاتغفل الميتافيزيكا.
المثل الأول يتعلق بالأمير الروماني dimitrie cantemir الذي انطق في ترجمته الأولى وغير المسبوقة رومانيا من الفكر المسيحي الكنسي محاولا تعميم مفهوم مغاير جذريا لمفهوم المسمى الأساسي للإسلام، فبدلا عن «الدين الإسلام» استخدم «كانتا مير» المصطلح الايديولوجي الذي شاع والذي سمى الإسلام باسم «الديانة المحمدية »، نسبة إلى نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم، وكأن الإسلام ابتداع من عند رسول المسلمين، وليس أمرا إلهيا مشفوعا بنص أنزل به الوحي، ويتضح من هذا المسمى الذي شاع في أدبيات الترجمة والاستشراق الأوروبي البعد الايديولوجي الرافض مسبقا للدين الإسلامي، ومحاولة اختزاله في الحالة العربية، وشخص الرسول الكريم، مما يكشف ذلك البعد التلفيقي في التعامل مع الحقيقة القرآنية والدين الإسلامي.
كان الأمير «كانتا مير» مهجوسا بالثقافة العربية الإسلامية، موصوفا بالتفكر والتدبر، غير أنه لم يفلح في الانسلاخ من الجانب «الأيديولوجي» في العقيدة المسيحية عندما قام بأول ترجمة للقرآن الكريم إلى اللغة الرومانية، وكانت تلك الترجمة انتقائية، تفسيرية، دقيقة المجاورة لكامل النظرات التي لا تثير حفيظة ورفض الكهنوت الكنسي المسيحي، ولعلنا نعذر كانتامير في ذلك لأنه عاش في خواتم مراحل المد الصليبي المتعصب الرافض لأي اجتهاد منصف، أو أي قول يجافي ثوابت ماذهبت إليه الكنيسة المسيجة بمحاكم الغفران والتكفير .. المثل الثاني المعاصر محسوب على العمل الاستثناء الذي قام به المستشرق الروماني الشاب جورج غريغور والذي ثمثل في تقديم أول ترجمة كاملة للقرآن الكريم إلى اللغة الرومانية، حيث كانت تلك الترجمة مختلفة تماما عن مألوف الترجمات الأوروبية والرومانية من جهة، كما أنها جاءت مسترشدة بالابستمولجيا والبرهان، دونما انجراف إلى التفسير السطحي للنص القرآني كما رأينا في الكثير من شواهد الترجمات.

جورجي جريجوري

عرفت المستشرق الروماني الشاب «جورجي جريجوري» في ذروة التحضير لحرب عاصفة الصحراء مطلع عام 1990 م ومنذ أول يوم لمعرفتي به لمست درجة استشعاره بعبث مايجري، بل درجة غوصه في استشراف المستقبل المظلم الذي سيحيق بالبشرية، وإلى ذلك علمت يقينا بأنه يشتغل منذ سنوات طويلة على ترجمة القرآن الكريم كاملا إلى الرومانية، وهنا ألخص رؤيته في التعامل مع هذا العمل غير المسبوق رومانيا:
لجأ «جريجوري» بداية إلى دراسة اللغة العربية في جامعة بوخارست ثم بدأ بقراءة القرآن الكريم عبر الترجمات التفسيرية الفرنسية والانجليزية، ثم واصل مشوار البحث عن طريق رسالة الدكتوراة التي كتبها وكانت بعنوان لافت «إشكاليات ترجمة القرآن إلى اللغة الرومانية» وبالتوازي مع كل ذلك كان عليه أن يقرأ تفسير القرآن الكريم من منابعه العربية الإسلامية، فقرأ الطبري والزمخشري والبيضاوي، وآخرين وبالتوازي مع كل ذلك كان يضع نصب عينيه الانفلات من الترجمات التفسيرية، وعدم الوقوع في فخ الميتافيزيقا المسيحية التاريخية، وعدم الاستسلام للمنهج العلمي الابستمولوجي الصرف.
تلك المسيرة الطويلة من البحث وتقليب الأوراق والذائقة خلال 15 عاما أفضت به إلى إطلاق نسخته الأولى غير المسبوقة في ترجمة القرآن الكريم كاملا إلى اللغة الرومانية، موجها خطابه لأكثر من عشرين مليون روماني مقيمين في بلادهم وبضعة ملايين منتشرين في العالم الواسع، ومن المحزن الإشارة هنا إلى أن جريجوري اضطر إلى إطلاق نسخته بطباعة شعبية متواضعة ولم يجد حتى اللحظة من يرتقي بتلك النسخة إلى مستوى الإصدار الطباعي الذي يليق بالقرآن الكريم، بالرغم من أنه عرض ذلك مرارا وتكرارا محبة في الإسلام والعرب، ولكن لا حياة لمن تنادي.
تعتبر ترجمة جريجوري للقرآن الكريم في نسخته الرومانية حالة مفارقة تماما لكل الترجمات الأوروبية، فقد سعى بكل دأب لاستبدال التفسير الشكلاني بالتماهي الإيجابي مع النص ذوقا واستسبارا مما جعله يفرد قاموسا موازيا للمصطلحات القرآنية، مدركا أن من المستحيل ترجمة بعض المفاهيم القرآنية في كلمة واحدة موازية، مثل مفاهيم ومعاني كلمات: الجهاد، الاستشهاد، القيام، القعود، الصراط، اللوح .. الخ، فكان عليه أن يكتب تلك الكلمات باللغة العربية في المتن، وأن يفرد لها هامشا تفسيريا واسعا تمكن القارئ الروماني من الاقتراب من مغزى ودلالة تلك المفردات والمفاهيم القرآنية.
ولمزيد من توكيد هذه الحقيقة الأزلية المرتبطة بلغة الوحي والنزول، كتب جريجوري نص الفاتحة باللغة العربية في غلاف الترجمة، في إشارة دالة إلى المغزى العميق لضرورة معرفة القرآن واستكناه أغواره عبر لغة الوحي، وفي ذلك اعتراف ضمني بأن أية ترجمة للقرآن الكريم لا يمكنها أن ترتقي إلى مستوى النص القرآني في مبناه ومعناه.


أول ترجمة كاملة للقرآن الكريم

يسجل للمسشرق الروماني «جورجي جريجوريانه» أول من قام بترجمة كاملة للقرآن الكريم إلى اللغة الرومانية، حيث كانت تلك الترجمة مختلفة تماما عن مألوف الترجمات الأوروبية والرومانية من جهة، كما أنها جاءت مسترشدة بالابستمولجيا والبرهان معا، دونما انجراف إلى التفسير السطحي للنص القرآني كما رأينا في الكثير من شواهد الترجمات.
لجأ «جريجوري» بداية إلى دراسة اللغة العربية في جامعة بوخارست، ثم بدأ في قراءة القرآن الكريم عبر الترجمات التفسيرية الفرنسية والإنجليزية، ثم واصل مشوار البحث عن طريق رسالة الدكتوراه التي كتبها وكانت بعنوان لافت «إشكاليات ترجمة القرآن إلى اللغة الرومانية»، وبالتوازي مع كل ذلك كان عليه أن يقرأ تفسير القرآن الكريم من منابعه العربية الإسلامية، فقرأ الطبري والزمخشري والبيضاوي وآخرين، وبالتوازي مع كل ذلك كان يضع نصب عينيه الانفلات من الترجمات التفسيرية، وعدم الوقوع في فخ الميتافيزيقا المسيحية التاريخية، وعدم الاستسلام للمنهج العلمي الابستمولوجي الصرف.
تلك المسيرة الطويلة من البحث وتقليب الأوراق والذائقة خلال 15 عاما أفضت به إلى إطلاق نسخته الأولى غير المسبوقة في ترجمة القرآن الكريم كاملا إلى اللغة الرومانية، موجها خطابه لأكثر من عشرين مليون روماني مقيمين في بلادهم وبضع ملايين أخرى منتشرين في العالم الواسع، ومن المحزن الإشارة هنا إلى أن «جريجوري» اضطر إلى إطلاق نسخته الأولى للترجمة بطباعة شعبية متواضعة، ولم يجد حتى اللحظة من يرتقي بتلك النسخة إلى مستوى الإصدار الطباعي الذي يليق بالقرآن الكريم، بالرغم من أنه عرض ذلك مرارا وتكرارا محبة في الإسلام والعرب، ولكن لا حياة لمن تنادي.
تعتبر ترجمة «جريجوري» للقرآن الكريم في نسخته الرومانية حالة مفارقة تماما لكل الترجمات الأوروبية، فقد سعى بكل دأب لاستبدال التفسير الشكلاني بالتماهي الإيجابي مع النص ذوقا واستسبارا، مما جعله يفرد قاموسا موازيا للمصطلحات القرآنية، مدركا أن من المستحيل ترجمة بعض المفاهيم القرآنية في كلمة واحدة موازية، مثل مفاهيم ومعاني كلمات: الجهاد، الاستشهاد، القيام، القعود، الصراط، اللوح، إلخ، فكان عليه أن يكتب تلك الكلمات باللغة العربية في المتن، وأن يفرد لها هامشا تفسيريا واسعا تمكن القارئ الروماني من الاقتراب من مغزى ودلالة تلك المفردات والمفاهيم القرآنية .
ولمزيد من توكيد هذه الحقيقة الأزلية المرتبطة بلغة الوحي والنزول، كتب «جريجوري» نص الفاتحة باللغة العربية في غلاف الترجمة، في إشارة دالة إلى المغزى العميق لضرورة معرفة القرآن واستكناه أغواره عبر لغة الوحي، وفي ذلك اعتراف ضمني بأن أية ترجمة للقرآن الكريم لا يمكنها أن ترتقي إلى مستوى النص القرآني في مبناه ومعناه.

بقلم: د. عمر عبد العزيز

Omaraziz105@gmail.com