orientpro

عهد الشرق


الحوار اليمني يتعثر مع اقتراب نهاية المرحلة الانتقالية

الحكم الذاتي لجنوب اليمن

(5)

تواصل الأطراف السياسية المشاركة في مؤتمر الحوار الوطني في اليمن نقاشاتها لحسم الملفات العالقة بعد مضي أكثر من شهرين من انتهاء مدته المحددة وسط قلق دولي عبّر عنه بيان مجلس الأمن الأخير وتصريحات الأمين العام للأمم المتحدة وسفراء الدول الراعية للعملية الانتقالية في صنعاء، وفي ظل مصاعب أمنية واقتصادية تعيشها البلاد وخلافات سياسية زاد من تعقيدها الانشقاقات الحاصلة داخل ممثلي «الحراك الجنوبي» في مؤتمر الحوار وإعلان جناح فيه انسحابه النهائي.

وكانت المدة الزمنية المحددة للحوار الذي انطلق في آذار (مارس) الماضي بمشاركة 565 عضواً يمثلون مختلف الأطراف السياسية انتهت فعلياً في 18أيلول (سبتمبر) الماضي، فيما تنتهي المرحلة الانتقالية برمتها في شباط (فبراير) المقبل وفق الجدول الزمني الذي أقره اتفاق «المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية»، ما يجعل من إنجاز بقية متطلبات الاتفاق قبل ذلك التاريخ مستحيلاً، إذ لا بد من انتهاء الحوار وكتابة الدستور الجديد والاستفتاء عليه، وإنجاز السجل الانتخابي الإلكتروني الجديد وتعديل قانون الانتخابات.

وأكملت ستة فرق في الحوار من أصل تسعة فقط تقاريرها، إذ تعثرت فرق «العدالة الانتقالية» و«القضية الجنوبية» و«بناء الدولة» في إكمال مهماتها، بسبب الخلافات حول عدد الأقاليم في الدولة الاتحادية المرتقبة، وقضايا العزل السياسي والعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، والضمانات التي تكفل تنفيذ مخرجات الحوار، وسط توجهات لإقرار مرحلة تأسيسية جديدة يتم فيها التمديد للرئيس عبدربه منصور هادي. ومن المقرر أن تعود الأطراف السياسية الممثلة في اللجنة المصغرة المنبثقة من فريق «القضية الجنوبية» المؤلفة من أعضاء من الشمال والجنوب بالتساوي والمعروفة بلجنة (8+8) في اليومين المقبلين مع العودة المنتظرة الـ 26 لمستشار الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه إلى اليمن جمال بنعمر إلى صنعاء، وذلك لحسم الخلاف حول عدد الأقاليم في الدولة المرتقبة، وفي ظل جهود يبذلها الرئيس هادي والمبعوث الأممي لإقناع جناح «الحراك الجنوبي» المنسحب من الحوار بالعودة إليه لحسم هذه القضية.

انشقاق «الحراك»
وكان رئيس فريق «القضية» الجنوبية والقيادي في «الحراك الجنوبي» ورئيس «مؤتمر شعب الجنوب» محمد علي أحمد اعلن أواخر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي الانسحاب النهائي من الحوار، متهماً الرئيس هادي والأمانة العامة لمؤتمر الحوار بشق صف ممثلي «الحراك الجنوبي»، كما أكد تمسكه بنقل الحوار إلى خارج اليمن مع ضمان أن يسفر عن منح الجنوبيين حق «تقرير المصير واستعادة الدولة» التي كانت قائمة في الجنوب قبل توحدها مع الشمال في العام 1990.

وبموازاة ذلك رفض جناح في «الحراك» يتزعمه كل من نائب رئيس مؤتمر الحوار ياسين مكاوي ونائب رئيس البرلمان اليمني محمد علي الشدادي هذا الانسحاب واتهما أحمد بالسعي لـ «مكاسب شخصية»، مع تأكيد تمسك غالبية ممثلي «الحراك الجنوبي» في الحوار بالاستمرار في الحوار إلى النهاية.

ونفى أمين عام مؤتمر الحوار الدكتور أحمد بن مبارك في تصريحات رسمية، اتهامات أحمد، مقللاً من أهمية انسحابه وقال: «الحراك» كمكون لا زال موجوداً في الحوار ويشارك بفعالية في كل الاجتماعات سواء اجتماعات هيئة الرئاسة أو لجنة التوفيق أو العدالة الانتقالية وغيرها من فرق العمل».

«القضية الجنوبية» وعدد الأقاليم
ويتمسك «الحراك الجنوبي» بقيام دولة اتحادية من إقليمين أحدهما شمالي والآخر جنوبي، ويدعم الحزب الاشتراكي والحوثيون هذا المقترح، في حين ترفض قوى سياسية أخرى ذلك خشية أن يمهد ذلك لانفصال الجنوب وتؤيد خمسة أقاليم أو أكثر، وهو مقترح يحظى بدعم الرئيس هادي الذي حذر أخيراً من المساس بوحدة البلاد مؤكداً أنه لن يسمح بـ «المتاجرة بالقضية الجنوبية» في إشارة إلى جناح محمد علي أحمد.

وكشف مستشار الرئيس هادي لشؤون البحث العلمي وعضو مؤتمر الحوار الدكتور فارس السقاف لـ «الحياة» وجود «مساع جادة» يتبناها هادي لإعادة أحمد إلى الحوار وإزالة الخلافات بين ممثلي «الحراك الجنوبي» باعتباره «مكوناً أساسياً دخل الحوار ويجب أن يستمر حتى النهاية».

ووفق السقاف فإن «لجنة (8+8) ستنعقد بمجرد عودة بنعمر، وإن اتفاقاً قريباً يلوح في الأفق ينهي الخلاف حول عدد الأقاليم» مرجحاً أن يكون إما لمصلحة إقرار الأقاليم المتعددة، وإما لتأجيل البت في العدد والاتفاق على «اتجاهات عامة حاكمة يتم التفصيل فيها لاحقاً في «الفترة التأسيسية» المقترحة لما بعد الحوار». وفق قوله.

العدالة الانتقالية وبناء الدولة
وفي ما يتعلق بعدم إنجاز تقرير فريق «بناء الدولة» تؤكد نبيلة المفتي أن الفريق أنهى أعماله تقريباً، ولكنه لم يقدم تقريره النهائي لارتباطه بما سيتم التوافق عليه في «فريق القضية الجنوبية» من حيث شكل الدولة وعدد الأقاليم وطبيعة نظام الحكم، وهل هو رئاسي أم برلماني أم مختلط».

وتتولى «لجنة التوفيق» في مؤتمر الحوار والمؤلفة من هيئة رئاسة الحوار ورؤساء فرقه التسعة عملية تقريب آراء الفرقاء، كما تتولى حالياً مناقشة الرؤى المقدمة حول ضمانات فترة ما بعد الحوار.

الضمانات و المرحلة التأسيسية
وفي حين أكدت مصادر مطلعة لـ «الحياة» أن الرئيس هادي يضغط بقوة على المكونات السياسية لإنهاء خلافاتها والإسراع نحو اختتام أعمال الحوار قبل نهاية كانون الأول (الجاري)، يحتدم الجدل حالياً في الشارع السياسي حول «الضمانات» التي ستكفل تنفيذ مخرجات الحوار بعد انتهائه دون الالتفاف عليها أو التنصل منها لاحقاً.

وكانت الآلية التنظيمية لمؤتمر الحوار نصّت في مادتها الـ (49) على قيام «لجنة التوفيق» الحالية في المؤتمر والمؤلفة من رئاسة فرق الحوار التسعة وهيئة رئاسة المؤتمر بمتابعة قراراته ومخرجاته والتأكد من تنفيذها بعد انتهاء أعماله».

وهي ضمانات غير كافية بنظر الأطراف السياسية، ما جعل غالبيتها تتبنى الدعوة إلى الانتقال إلى «مرحلة تأسيسية» تشاركية يتم فيها تأجيل الانتخابات المقبلة والتمديد للرئيس هادي باعتبار استمراره في السلطة أفضل الضمانات لتنفيذ هذه المخرجات.

وتتصدر أحزاب «اللقاء المشترك» و«الحراك الجنوبي» وجماعة الحوثي الأطراف الداعية لـ «المرحلة التأسيسية»، وتؤكد «أن المتبقي من زمن المرحلة الانتقالية كما هو محدد في اتفاق «المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية» لا يكفي لتنفيذ بقية خطواتها فضلاً عن تنفيذ مخرجات الحوار»، وهو ما يعني- وفق هذه القوى - استحالة إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها المقرر في شباط المقبل.

وتقترح هذه القوى تمديد ولاية الرئيس هادي من ثلاث إلى خمس سنوات، تستمر خلالها الشراكة القائمة في الحكومة التوافقية وتوسيعها - كذلك- لتضم أطرافاً أخرى مثل «الحوثيين»، والسلفيين و «الحراك الجنوبي»، والأحزاب الوليدة، وتلك المستقلة، والتيارات الشبابية الفاعلة.

كما تقترح حل البرلمان الحالي وتحويل مؤتمر الحوار الوطني القائم إلى مجلس تأسيسي انتقالي لمدة خمس سنوات أو ثلاث، يتولى خلالها الإشراف على تطبيق مخرجات الحوار وبناء مؤسسات الدولة الجديدة.

ويعارض جناح بارز في حزب «المؤتمر الشعبي» يوالي الرئيس السابق علي عبدالله صالح مقترح «التمديد» لهادي ويرى فيه «مسعى للتمسك بالسلطة بالتحالف مع تيار سياسي بعينه يريد السيطرة على بقية مؤسسات الدولة وإحكام القبضة عليها».

ويدعو فريق ثالث يمثله أعضاء مستقلون في مؤتمر الحوار الوطني، إلى مقترح وسط يرون فيه مخرجاً مقبولاً يمكن الإجماع عليه، ويتضمن «التمديد» لهادي ولكن عبر انتخابات رئاسية توافقية على نحو ما حدث عند انتخابه سابقاً في 2012.

ويلبي هذا المقترح - على حد قولهم - مطلب دعاة «التمديد» لهادي وكذلك مطلب المتمسكين بحرفية «المبادرة الخليجية وآليتها» التي تنص على إجراء الانتخابات، كما يؤكدون أن الأخذ به سيمنح - «الرئيس هادي شرعية جديدة توافقية تمكّنه من تنفيذ مخرجات الحوار وتحقيق الشراكة في السلطة بين كل الأطراف السياسية».

ويؤكد فارس السقاف «وجود إجماع غير مسبوق لدى الأطراف السياسية على تبني «المرحلة التأسيسية» التي ستستند إلى اتفاق تكميلي لاتفاق «المبادرة الخليجية» يتضمن مهمات هذه المرحلة».

وفي حال إقرار هذه المرحلة فإن مؤتمر الحوار ستصدر عنه وثيقتان - على حد قوله - الأولى وثيقة مخرجاته التي أقرّتها فرقه التسعة، والتي ستودع منها نسخة لدى الأمم المتحدة، والأخرى خاصة بـ «المرحلة التأسيسية المزمنة».

بقلم: علي ربيع