orientpro

عهد الشرق


خلاف عن الروح الفلسفية

أن يتحول المقدس إلى أيديولوجيا

(2)

يفهم ما لا أفهم
أنا أفهم ما لا تفهم وأنت تفهم ما لا أفهم .. بهذه العبارة يُلخص المفكر الراحل محمد عد الجابري خلافه مع الرأي الآخر، بما يذكرنا برحابة الإمام الشافعي، وسعة صدر الإمام الغزالي، والروح الفلسفية لابن رشد.
المفكر الراحل محمد عابد الجابري يمثل المحطة الأقصى في التنوير والترشيد للفكر العقلي النابع من تاريخ الكلام، فقد تصدَّى الجابري لتحليل معنى الاشتباك التاريخي بين العرب وتاريخهم من جهة، كما بين العرب والآخر الإنساني من جهة أُخرى، من خلال تتبعه الراصد، ومقارباته الفكرية المنهجية، واستناده الرصين إلى ابستمولوجيا المعرفة، مُتصدياً لجدل الكلام الذي ملأ الدنيا وشغل الناس على مدى تاريخنا الطويل.
وقد أسهم الجابري بقدر وافر من الكتب والدراسات والمقالات التي لم تنقطع حتى أواخر أيام حياته العامرة بالعطاء، وأذكر أن كتاباته الاسبوعية في جريدة “الاتحاد” بالإمارات العربية المتحدة التي سطرها قبيل وفاته واكبت مشقة البحث في أخطر وأشق العلوم الدينية المقرونة بالنص القرآني، متصدياً فيها لتفاصيل تلك العلوم، وكاشفاً لأبعاد جديدة، من خلال الاستعادات الوامضة، المقرونة بقدر كبير من التؤدة والاستسبار. ولو لم يكن القضاء المحتوم وافاه بالأجل، لكنا الآن أمام مساهمة كبرى في هذا الفرع المعرفي الإشكالي المتصل بكامل العلوم النابعة من الشريعة الإسلامية، فالمعروف أن القرآن الكريم هو النبع الصافي لعلوم التفسير والتأويل والكلام، واجتهادات الفقهاء والفرق المختلفة، بل إن ذلك النبع الصافي تساوق مع روافد التفسير والتأويل والترجمة، ومع العلوم الإنسانية القادمة من منابع يونانية وهندية وفارسية، الأمر الذي ظهر جلياً عند جابر ابن حيان والكندي وابن رشد والغزالي، وغيرهم .

فصلُ المقال
تصدَّى المفكّر المغربي الراحل محمد عابد الجابري لتحليل النزعات العقلية في الفلسفة العربية الإسلامية من خلال فرق الكلام، وفي مقدمتهم المعتزلة، وحاول من خلال تتبعه التاريخي المعرفي والذوقي، تسليط الضوء على محنة العقل العربي، رائياً للبُعد الوجداني الغنائي السائد في منطق التفكير العربي، وناشراً ظلالاً من الاستعادات المستقبلية لتلك الجذور البهيجة في ثقافة الكلام التاريخية العربية الاسلامية، معتداً على وجه الخصوص بالنزعة الرشدية العقلانية.
الجدير بالذكر هنا أن الجابري كان أول من كشف جوهرياً القيمة الاستثنائية لابن رشد في ثقافتنا التاريخية، كما كشف وجه التفاصل والتواصل بين ابن رشد والإصلاحي الكنسي مارتن لوثر الأول، ناظراً لكونهما صادرين عن رؤية واحدة، ومختلفين في آن واحد؛ ذلك أن ابن رشد بحث علاقة التكامل بين الفلسفة والشريعة من خلال الاشتراط المسبق لوحدة المقاصد فيهما، لكن مارتن لوثر الأول قرّر أن مقاصد الفلسفة والشريعة واحدة جبراً لا خياراً، ومن هنا يمكننا إدراك متوالية الاستطراد العملي على مرئيات لوثر في الثقافة الكنسية البروتستانتية من جهة، كما للثقافة الكنسية الكاثوليكية لاحقاً، وهو الأمر الذي مهَّد لثقافة السؤال الشكِّي، والمنطق المادي البرهاني، والاعتماد القَبْلي« بفتح القاف وتسكين الباء» على العقل المجرد في قراءة الظواهر، والاستبعاد الإجرائي للميتافيزيقا الكنسية الحاملة لجواب ناجز لكل سؤال محتمل.
وما دمنا بصدد الجابري ومساهمته الاستثنائية في إثراء المنطق الرشدي في ثقافتنا التاريخية، فلا مناص من الحديث عن الجدل الخلاق الذي جرى بين ابن رشد والغزالي، والذي يمكن استقراء بعض آفاقه في رسالة ابن رشد الدالة بعنوان«فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال».

أن يتحوَّل المُقدَّس إلى أيديولوجيا
أذكر هنا أن الباحث السعودي الدكتور معجب الزهراني تصدَّى لجدلية ابن رشد الخاصة بالعلاقة ما بين الشريعة والحكمة، وقدم مقاربة خاصة، نُشرت في كتاب الرافد، وكنت قد قدمت لها بتوطئة تعيدنا إلى ذات السؤال الذي انبرى له الراحل الكبير محمد عابد الجابري، ومما ورد في تلك التوطئة: أن الخطاب الحواري في “فصل المقال” تنويع على جدل الأنا والآخر، وأن ما ذهب إليه الزهراني يعيدنا إلى الإشكالية الكبرى التي احتدمت دوماً بين علماء الدين والفلاسفة، وسنرى منذ البداية أن محاور تناول الموضوع عند المؤلف تتلخّص في 3 مستويات: مفهوم الاتصال في الحوار، ومعنى احترام العقل، ودلالات خطاب ابن رشد.
الحوار بحسب ابن رشد يتصل بتنوُّع حقائق الوجود ونسبيّتها، وكتابه “ فصل المقال “ حالة مُتقدمة في زمنه، حتى أن الناقد عبدالله العروي يعتبر ما توصّل إليه ابن رشد حينها متقدم جداً عما نحن عليه الآن.
حاول ابن رشد كسر التابوهات وحلحلة المركزية الأيديولوجية القائلة بأن “ الأنا “ على الحق دون العالمين، واستوعب في كتابه معنى عالمية الثقافة الإسلامية التي أسهم فيها علماء باتساع رقعة الإمبراطورية الإسلامية، وكاشف ضمناً ما نحن عليه اليوم من جمود، ومهّد لتلك المحاولات التي تاقت إلى تحرير الفكر، ومكاشفة سيئات الواقع، ابتداءً من رفاعة رفعت الطهطاوي، مروراً بخير الدين التونسي ومحمد عبده، وحتى عبد الرحمن الكواكبي.
ويسقط المؤلف نظرات ابن رشد على واقع الحال في مجتمعاتنا حيث نقف الآن على خرائب النزعات المذهبية القاصرة، ونتمرّغ في منطق الدولة “ القروسطية “ المستبدة، ويسهم الكثيرون منا في تحويل المقدس الديني إلى أيديولوجيا دنيوية تخدم السياسة الفاشلة، وشروطها الميكيافيللية.

يرى الآخر ولا يرى ذاته
إنطلق ابن رشد من ثلاثية معرفية تمثّلت الأولى منها في تأويل النصوص الدينية، مما يضعه في قائمة علماء الكلام المُتفلسفين، وإصدار فتوى حقيقية وشرعية حول العقل وأهميته، ومحاولة التوفيق بينهما، مُتجاوزاً الذين قالوا :إن الحكمة والشريعة لا يلتقيان البتة.
وأميز ما يميز ابن رشد ثانياً هو صدوره الحاسم عن الفلسفة اليونانية، وانخلاعه من أسر الرؤى التي تجعل الإنسان تابعاً لمصيره القدري، وتأويله للجبر والخيار بوصفهما وجهين لعملة واحدة، واستبطان مركزية العقل الإنساني في استقراء ظواهر الوجود.
لذلك تمثّلت مصادره في علوم الأوائل، والحكمة، والفلسفة، والعلوم العقلية، دون أن يقع في مصيدة تبنّي التناقض السافر بين الدين والحكمة كما فعل آخرون.
علاقة الفكر العربي الإسلامي بفلسفة أرسطو اليونانية كانت علاقة مركزية حتى أنهم اعتبروه «المعلم الأول» وأعجبوا بنزعته العقلية في زمن كانت فيه الفلسفة تُمثل أرقاً غير قابل للتحرير، وتطاول فيه الكلام ضمن جدل بين ثنائيات العقل والنقل، والجبر والخيار، والقديم والمحدث.. حد التفلسُف العقيم، وحتى غير السفسطائي، ذلك أن السفسطائيين اليونانيين، وبالرغم من تكثُّرهم في التجريد، إلا أنهم استطاعوا نبش الأسئلة الكبرى، وموْضعتها على مشرحة البحث والتحليل، فيما ظل الكلاميون العرب غارقين حتى مخ العظم في إعادة تدوير وتوليد أسئلة ماورائية غامضة، تأسيساً على مقولات النصوص وعطفاً عليها.
وثالثاً وليس أخيراً، جمع ابن رشد بين متناقضات كثيرة، واللافت أنه وبالرغم من ذلك انتقد الإمام محمد بن محمد حامد الغزالي لكونه يجمع المتناقضات، وتلك واحدة من قضايا الصراع الفكري بين الكبار .. يرى الواحد فيهم الآخر، وقد لا يرى ذاته.

الشريعة حقٌ، والبرهان حقْ
إبن رشد كان فيلسوفاً يتأسّى بأرسطو العقلاني، ويعتمد نظريته في الصيرورة والنسقية التحوُّلية. وكان أيضاً فقيهاً قاضياً، كما كان من أهل الحل والعقد، وكان إلى ذلك مُتصلاً بعلوم الكلام والفرق، وحاضراً في تراجيديا الحروب الإسلامية وقعقعة السلاح.
تلك المُقدّمات المادية والحياتية حَدَتْ بإبن رشد إلى تنكُّب مشقة إدماج الفلسفة في العلوم الإسلامية، وجعلها أمراً مُستساغاً مقبولاً، كما أغنى الحوار الفكري بدلالات جديدة ومتجدّدة، واعتبر أن الباحث المسلم مجبولٌ على المعرفة العقلية، بالتوازي مع القيمة الأخلاقية النابعة من الشريعة، وقال إن: «علوم النقل لا تكتمل إلا بعلوم العقل».
يضع المؤلف الدكتور معجب الزهراني ابن رشد الإنسان والمفكّر ضمن معادلة ثلاثية تستقيم على فلسفة أرسطو من جهة، ومكانته العالية في مجتمعه من جهة أُخرى. أيضاً قدرته الفائقة على التفاعل مع الواقع. كما يتوقّف المؤلف أمام خصائص نص ابن رشد في «فصل المقال» بإشارات إلى الجُمل الطويلة الشبيهة بالخوارزميات الرياضية العصيّة على الفهم، مُعلّلاً ذلك إلى تأثّره بتعدّدية اللغات واللهجات في ذلك الحين، كما يشير أيضاً إلى قدرات ابن رشد الاستثنائية على توليد المصطلحات، والنحت على الكلام. ويُثمّن المؤلف تخلي ابن رشد الإجرائي عن صيغ «الوجوب» القهرية، وميله إلى الصيغ الشرطية الاحتمالية، حتى وإن تضمّن جواب الشرط رأيه الخاص، مما يمكن أن يوصلنا إلى التملّك المعرفي والذوقي لتلك المسافة التي يفتحها ابن رشد للقارئ، متخلّياً عن الإملاءات، والادعاء بامتلاك الحقيقة.
حاول ابن رشد - كما أسلفنا - التوفيق بين الحكمة والشريعة، واختصر خطابه في معادلة لمّاحة، مداها إن « النظر البرهاني حق، وهذا الحق لا ينفي ما جاء في الشريعة، لأنه أيضاً حق».
ولا يُعوِّل ابن رشد كثيراً على رفض الرافضين، لأنه يرى« إن الإجماع على عدم الإجماع » أصل أصيل في تاريخ الفكر، وهذا يعني أيضاً «الإجماع على الاختلاف».
يفرد المؤلف بعض التنويعات عن السجال بين الغزالي وابن رشد، ونقده الغزالي لتكفيره ابن سينا والفارابي، ولا تخلو إشارات ابن رشد من سخرية مُبطّنة حيث يصف الغزالي بقوله:
يوماً يمانٍ إذا لاقيت ذا يمنٍ وإن لقيت معدياً فعدنان
ويختتم الباحث قراءته لخطاب ابن رشد في فصل المقال بنظرته المتقدمة للمرأة، وهي نظرة تجاوزت ما ذهب إليه فلاسفة اليونان، كما يفتح المؤلف باباً لمزيد من تأمل خطاب ابن رشد مما تتسع له المعالجات والرؤى.
ولا ننسى الإشارة أخيراً إلى أن أهمية الكتاب تكمن في ذلك البُعد الإسقاطي المباشر على واقع حال العرب والمسلمين، مما يغني عن الشرح والتفصيل.

بين حجارة السُّلطان وحجارة العقل
مقاربة الدكتور معجب الزهراني حول كتاب العلاّمة ابن رشد بعنوان «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال» تشير إلى أهمية هذا الكتاب التاريخي في بُعده السجالي المرتبط بحدود وآفاق علوم الكلام التي أرهقت كاهل الفكر العربي الإسلامي تاريخياً، باعتبارها علوماً تستقي مفرداتها من الشريعة من جهة، ومن التأملات العقلانية المُتفلسِفة من جهة أخرى، تلك العلوم التي تمتدُّ إلى الثقافة اليونانية والرومانية البيزنطية. كما تكمن أهمية تلك المُقاربة في كونها ترمز إلى جدل العلاقة غير الخلّاقة بين الفكر المجرّد والنظام السلطاني الدنيوي.. الأمر الذي جعل حكمة الشريعة في مرمى حجارة السلطان وأهوائه من جهة، كما في مرمي حجارة العقل المجرّد من جهة أخرى.
مهّد ابن رشد للثورة المعرفية الأوروبية الكبرى التي تمثَّلها على وجه أخص الراهب المسيحي مارتن لوثر الأول، وقبله المصلحان «جوردانو برونو» و «توما ديللا كويني».
لوثر هو الذي سار قُدماً بالتعليم الرشدي حد المفارقة له, ذلك أن ابن رشد بحث عن نقطة التلاقي بين الشريعة والحقيقة عند تخوم الفضيلة كما أسلفنا، فيما قال مارتن لوثر الأول بالفصل الإجرائي بين المستويين، فمهّد لنظرية العقد الاجتماعي لصاحبها الأشهر «جان جاك روسو»، وفاض بمرئيات عقلانية مُغالبة.
يتوقف الزهراني أمام فضائل ابن رشد العقلانية، ولا ينسى الإشارة إلى مثابته في الشريعة، كما يتوقف أمام خصائص النص الرشدي من النواحي اللغوية والصياغية، وصولاً إلى منهجيته الصارمة التي انعكست على النص وجعلته يبدو جافاً، كما رصد فضاءات النص في الزمن الثقافي المفتوح، وصولاً إلى يومنا هذا. وفي السياق يعرض الباحث للتقاطع بين الغزالي وابن رشد مما يتصل أساساً بأحكام القيمة الإطلاقية التي أطلقها ابن رشد على الإمام محمد بن محمد حامد الغزالي، وبهذه المناسبة لا بأس من الإشارة إلى كتاب الغزالي الأكثر أهمية من حيث تتبُّع مسار التحولات في فكره والمُعنْون بـ «المُنقذ من الظلال»، فهذا الكتاب يوفّر لنا مفتاحاً سحرياً لمعرفة موسوعية الغزالي بوصفه مقيماً في علوم الشريعة، عارفاً لعلوم البرهان العقلي الأرسطي، مُتبحّراً في التصوّف وعلوم الكلام، كما يُعبّر الكتاب عن رؤية الغزالي التي تُماهي بين العقل والذائقة، وتضع الرجل في مكانة متقدمة من ثقافة التأصيل والتطوير معاً.

«الإسلام السياسي» بحسب الجابري
لحظة التفارق السلبي بين ابن رشد والغزالي لا تعبّر عن نهاية المقال في أمر الخصام، بل توفر لنا مناخاً إضافياً للتأمل في مقاربات الغزالي بعد «تهافت الفلاسفة» ، كما توفر لنا قراءة موازية لابن رشد تتجاوز «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال».
الاستعادات المنتقاة لما ذهب إليه البعض حول العلاقة بين ابن رشد والغزالي، تمثِّل رافداً متواضعاً من الروافد التي تصبُّ في مجرى النهر الكبير لمحمد عابد الجابري ، ولا تقف رؤية الجابري عند تخوم التأصيل المعرفي المُثابر للبُعد العقلاني في الثقافة العربية الاسلامية، فقد كان له أيضاً باع وذراع في مقارباته المتعلّقة بمستجدات الساحة العربية والعالمية، وكامل المفردات الإشكالية التي أحاطت بهذه المستجدات، وخاصة اللحظات العاصفة في التاريخ السياسي المعاصر كما هو الحال بالنسبة لأحداث سبتمبر الزلزالية التي يعتبرها ظاهرة وقتية لا تعبِّر عن صراع الحضارات، بل عن صراع بين الاستتباعات السلبية لتلك الحضارات، مُحمّلاً الغرب التقني والسياسي مسؤولية ما حدث، حيث أن النهضة التقنية العارمة جعلت الغرب السياسي يتعامل مع الآخر تعاملاً براغماتياً، يصل إلى حد الاستخدام المُمْعن، ثم التخلّي السافر، مما يُنتج ردود أفعال متعدّدة.
وبهذا المعنى يعتبر الجابري أن الإسلامي السياسي بمثابة رد فعل، دون أن يصدر حكم قيمة إطلاقية حول ماهية الدين السياسي.
وفي أُفق مُتَّصل يعتبر ظاهرة التطرُّف سمة كانت وما زالت حاضرة في منظومة الحضارات الإنسانية المختلفة، وينظر بعين الرائي المستقرئ للجغرافيا المكانية، معنى حضور التطرف في بلدان الأطراف، أو تلك المُهمَّشة، التي تستشعر الظلم والاستبعاد المنهجي من الفعل المُشارك، وبهذا المعنى يعتبر الجابري مقولتي المركز والأطراف مقولتين سياسيتين تشملان كل العالم، وهما أشبه ما يكونان بمتوالية أفقية ورأسية تعيد إنتاج نفسها على مدى التاريخ.

بقلم: د.عمرعبدالعزيز