orientpro

عهد الشرق


روسيا السوفيتية

الحقبة السوفيتية برموز اخرى

(4)

الاستغناء عن كلّ العالم بمقابل حاجة الآخرين لكل العالم هذا العنوان الطويل تعبير رمزي عن استنتاج جوهري يتعلّق بتوصيف الحالة الروسية الراهنة، بوصفها مُقارِبة للحالة السوفيتية، مع فارق أساسي يتعلّق بكون الحالة السوفيتية كانت أقل براغماتية، وأقرب للأيديولوجيا الحالمة بمجتمع طوباوي لا نظير له!. ذلك الحلم الذي دمّرته البيروقراطية المركزية السوفيتية، وثقافة القوة الكاسحة، دونما اعتبار للمنافسة العالمية الحرّة في ميادين الاقتصاد المرن الذي انبرت له الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية واليابان.
تبدو الحالة الروسية البوتينية أقرب إلى براغماتية ذات طابع روسي.. براغماتية مقرونة بالتؤدة والقدرة على الانتظار، وعدم استعجال النتائج، مع تأمين أكبر قدر من القوة الرادعة للعدو المفترض، وفي حالتنا هذه تكون الولايات المتحدة هي العدو اللدود لروسيا، كما كانت سابقاً عدواً تاريخياً للاتحاد السوفيتي ونموذجه العالمي. ذلك النموذج الذي تصدَّت له الولايات المتحدة في عقر دارها حينما شَرْعنتْ قوانين «مكارثي» المُطاردة لليساريين الأمريكان، ومن التحق بركبهم داخل الولايات المتحدة، وكانت فترة الحرب الباردة وسباق التسلح ترميزاً مكثّفاً لذلك الصراع المحموم بين النموذجين والقوتين القطبيتين.
روسيا البوتينية الراهنة تختزل الاتحاد السوفيتي لأنها تمثّل الكيان الأكبر المُنخلع من جسد الامبراطورية السوفيتية، حيت تقدّر مساحتها الإجمالية بما يوازي ثمانين في المائة من مساحة الامبراطورية السوفيتية المنهارة، وفق قواعد السقوط الحر التي سنتها العبقرية الروسية الرائية للسقوط بوصفه ضرورة، والخروج من شرنقة الماضي بوصفه تجديداً قابلاً لاعتماد تجارب متنوعة، وموديلات مُتغايرة. وقد لاحظ المراقبون أن الموديل الذي اعتمده الرئيس الراحل «يلتسن» والذي اشتهر باسم «الانتقال بالصًّدمة» لم يفلح في معافاة روسيا، وبالتالي كان موديل بوتين الانتقالي المتدرّج وفق الموروث السوفيتي ذي الجذر العميق في الثقافة الروسية البطرياركية هو البديل الذي لم يخفق حتى اللحظة.

سر القوة الروسية العالمية
على درب المقدّمات التي تجعل من روسيا الراهنة وريثاً واقعياً للاتحاد السوفيتي لابد من الإشارة إلى القدرات الاستراتيجية العسكرية، والإمكانيات المادية التي تصل إلى حد الوفرة غير المهدّدة بالانقطاع، وخاصة في مجالات إنتاج الطاقة، واقتصاد التعدين، بالإضافة إلى الإنتاج الزراعي السمكي الواسع، والصناعة الأفقية القابلة لمزيد من التطوير وفق النموذج الصيني، ممَّا يمكن رصده في روسيا.. البلد الأكبر مساحة في العالم، والذي يصل أقصى غرب العالم بأقصى شرقه. ذلك أن روسيا تتاخم الولايات المتحدة في أقصى الغرب العالمي من خلال شبه قارة ألاسكا الغنية بالمياه والزراعة والصناعة والطاقة، فيما تتاخم اليابان والصين وكوريا الشمالية في أقصى شرق العالم، لنقف على مساحة أُفقية تمتد عل ما يزيد عن 12 مليون كيلو متر مربع، وهي مساحة توازي مساحتي الولايات المتحدة والصين مجتمعتين. وبهذه المناسبة لا بأس من الإشارة إلى أن منطقة الأسكا الأمريكية التي تمثّل حوالي 20 في المائة من مساحة الولايات المتحدة كانت منطقة روسية تاريخياً، وقد تم بيعها من قبل القيصر الروسي آنئذٍ، وبصك امتلاك ناجز للولايات المتحدة الأمريكية.
بُعيد السقوط الحر للاتحاد السوفيتي احتسبت الولايات المتحدة لكامل العوامل التي أدت إلى ضعف الاتحاد السوفيتي وسقوطه الحتمي، لكنها لم تحتسب للعمق الروسي الذي يتميّز بالقدرة الاستثنائية على إدارة روسيا خارج نطاق الارتهانات الخارجية المحتملة، وقد أدرك الاستراتيجيون الأمريكان المعنى الكبير لروسيا التي بوسعها الاستغناء عن كل العالم، بمقابل حاجة الآخرين لكلّ العالم، ومن هنا جاء الخطأ في الاحتساب الأمريكي الذي لم يتوقع انبعاث روسيا من أحشاء الإمبراطورية السوفيتية المنهارة، كما تواترت الانتقادات الأمريكية والأوروبية الغربية والصينية، لسياسات اليمين الجمهوري الذي قدم مُخطّطاً افتراضياً لعالم القطب الوحيد.. ذلك المخطّط الذي اعتبر هزيمة روسيا المقدمة الحاسمة، التي لا تبدأ بإحياء برنامج حرب النجوم الريغاني فقط، ولا تنتهي بمشروع الشرق الأوسط الكبير. نذكر في هذا الباب الدعوة الجريئة للرئيس الفرنسي السابق «جاك شيراك» بعالم متعدّد الأقطاب.. والذي نال حينها قبولاً ناجزاً من قبل الصين وروسيا، حتى أن الآلة الإعلامية للمحافظين الجدد اعتبرت شيراك مجرد ديناصور منقرض، أو مستحاثة جاءت من عالم ما قبل التاريخ!!.

المسافة بين روسيا والاتحاد السوفيتي
أدَّت سياسة المحافظين الجُدد في الولايات المتحدة إلى انبعاث النزعة القومية البطرياركية الروسية، وتزاوجت تلك النزعة مع الموروث السوفيتي العتيد، والإمكانيات المادية الهائلة المقرونة بقدر كبير من التبصُّر والتؤدة، حتى جاءت الأيام بما أثبت صحة رأي الاستراتيجيين الأمريكان الذين انتقدوا سياسات واشنطن الهجومية على روسيا.. ولعل بروفة جورجيا المتمرّدة خير شاهد على خيبة تلك السياسات، فقد اكتسح الجيش الروسي جورجيا بموجب اتفاقية تنص على أن «أوسيتا الجنوبية» ذات حكم خاص، وسقط الرئيس الجورجي «تشكسفيلي» في مستنقع أوهامه، والتزمت الولايات المتحدة الصمت المطبق إزاء صديقها المهزوم علانية، وهكذا فعلت مع كامل «الأصدقاء المُستبدّين» في العالم العربي، بحساب التوصيف الأمريكي لهم؛ وقد كان «الربيع العربي» شاهد حال على هذا التخلِّي البراغماتي، حد المراهنة على الإسلام السياسي في المنطقة العربية.. لكن روسيا وجدتها فرصة سانحة لتقلب الأوراق والطاولة معاً، ولتباشر دوراً أمنياً عسكرياً ودبلوماسياً شديد التأثير على تطوّرات المنطقة العربية.
الموقف الروسي من أحداث سوريا، وتطورات الوضع المصري خير شاهد على ذلك الدور المعبِّر عن عودة روسية بطابع سوفيتي مُعدَّل ومُشفَّر، وتزداد هذه العودة زخماً وقيمةً إذا عرفنا أن التنين الصيني يرمي بثقله الكبير مع الموقف الروسي، وأن منظومة واسعة من دول أوروبا الغربية تعيد النظر في استجاباتها التلقائية للإرادة السياسية الأمريكية، وشاهدها الأكبر موقف البرلمان البريطاني من فرضية التدخّل الأمريكي في سوريا.
الأيام القادمة حُبلى بشواهد هذه الحالة الروسية الدولية التي تستعيد مجد السوفييت، ولكن في أفق مغاير تماماً لتخشُّب وبيروقراطية وطوباوية النموذج السوفيتي.

بقلم: د.عمر عبد العزيز