orientpro

عهد الشرق


موسكو والقاهرة.. تقارب حقيقي أم محاولة للضغط على واشنطن؟

الحقبة السوفيتية برموز اخرى

(2)

على مدى الأسبوعيْن المنصرميْن، ركّزت العناوين الرئيسية التي تصدّرت الصحف والمواقع المصرية، الحكومية والحزبية والخاصة، فضلاً عن برامج الـ "توك شو" الشهيرة على موضوع العلاقة بين مصر وروسيا، والتي تشهد في الآونة الأخيرة دفعة قوية على مستويات متعددة.

التوترات العربية الأمريكية تفتح الباب لعودة روسيا
أتاحت توترات غير معتادة بين واشنطن وحلفائها من العرب لروسيا الفرصة لاستعادة بعض من نفوذها المفقود في الشرق الاوسط واقتناص بعض صفقات السلاح من منافسين أمريكيين وإحراج غريم قديم ليظهر بمظهر الضعف.

ولا أحد يتوقع أن تتحدى موسكو الولايات المتحدة بوصفها الضامن الرئيسي للأمن في منطقة الخليج. ولا أن تتنازل واشنطن عن مكانتها الفريدة في محادثات السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين أو في النزاع على البرنامج النووي الإيراني أو في قضايا اقليمية أخرى.

لكن هواجس ثارت لدى بعض الحكام العرب أن الولايات المتحدة لم تعد الحليف الذي يعول عليه بسبب اعتقاد أن أمريكا تمتنع على نحو متزايد عن القيام بدور الشرطي في المنطقة ربما لأنها أصبحت أقل خوفا من صدمات النفط العربي بفضل تزايد انتاجها.

ويشعر العرب أن ميزان القوة العالمية يتغير ويشير الاعتقاد بضعف الولايات المتحدة مع انسحاب القوات الأمريكية من العراق وأفغانستان إلى أن عرب الخليج أمام خيار صعب.

وكان الدعم الراسخ الذي قدمه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للقيادة السورية موضع تقدير كبير حتى بين عرب الخليج الذين يختلفون بشدة مع سياسة الكرملين.

كل هذا يعني أن روسيا أمامها فرصة لاستعادة بعض نفوذها الذي فقدته منذ ذروة النفود السوفيتي في المنطقة خلال الخمسينات والستينات.

ويتوقف نجاح بوتين في جانب منه على قدرته على اقناع الرئيس السوري بشار الأسد بالشروع في إجراء محادثات سلام مع المعارضة والوفاء بوعد التخلي عن الاسلحة الكيماوية.

كما أنه يتوقف على قدرة الرئيس الأمريكي باراك أوباما على استعادة ثقة عرب الخليج في سياساته في الشؤون السورية والإيرانية والمصرية والتي تشعر السعودية أنه أبدى فيها كلها ضعفا.

ورغم تحسن المناخ الدبلوماسي فما زال أمام روسيا شوط طويل قبل أن تستطيع مجاراة مبيعات السلاح الغربية في المنطقة.

ويقول المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إن مبيعات روسيا من السلاح في الشرق الاوسط وشمال افريقيا بلغت 8.4 مليار دولار في الفترة 2008-2011 ارتفاعا من 3.4 مليار خلال 2004-2007 بالمقارنة مع مبيعات أمريكية بلغت 21.8 مليار دولار في الفترة الاولى و19.6 مليار في الفترة الثانية.

وتدهورت العلاقات بين القاهرة والولايات المتحدة بعد أن عزل الجيش الرئيس الإسلامي محمد مرسي في الثالث من يوليو تموز. وقالت واشنطن فيما بعد إنها ستوقف دفعات من مساعداتها العسكرية والاقتصادية لحين تحقيق تقدم صوب الديمقراطية.

وقال دبلوماسي مصري إن القاهرة تحاول تنويع مصادر السلاح وأن تصبح القوة العسكرية الأولى في المنطقة وإنها لا تدير ظهرها للولايات المتحدة "وانما تريد أن يكون أمامها خيارات" مختلفة.

واستاءت السعودية ودول خليجية أخرى من القيود الامريكية على المساعدات لمصر. وزاد ذلك من حدة الغضب الخليجي لرفض واشنطن القيام بعمل فيما يتعلق بسوريا.

ويشعر عرب الخليج أيضا بقلق مماثل بسبب إيران انطلاقا من شكوكهم أن أوباما يسعى للتقارب مع الجمهورية الإسلامية - التي يرون أنها تتدخل في شؤونهم - وذلك على حساب مخاوفهم الامنية. وتنفي إيران أنها تتدخل في شؤونهم.

ومن من مظاهر الزخم الذي شهدته هذه العلاقات الثنائية خلال الأسبوعيْن المنصرميْن زيارة وفد شعبي مصري لروسيا، ووصول الطراد الصاروخي الروسي "فارياج" إلى ميناء الإسكندرية في أول زيارة لسفينة حربية روسية إلى الميناء منذ عام 1992. وأرسال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مندوبا رسميا إلى مصر وإلتقاء هذا الأخير بالرئيس المؤقت عدلي منصور"، وكذلك زيارة كل من وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف وزير الدفاع سيرغي شويغو، والوفد المرافق لهما إلى القاهرة والتقائهما بنظيريْهما المصرييْن.

وفي محاولة لفهم ما يحدث ووضع النقاط على الحروف فيما يخصّ مستقبل العلاقات المصرية - الروسية، وعلاقة ذلك بحالة الفتور التي أصابت العلاقات المصرية - الأمريكية التي استمرّت لأكثر من أربعة عقود متّصلة، نعرض هذا التحقيق مع عدد من الخبراء والباحثين والمحلّلين السياسيين، المتخصِّصين في الشأن الروسي والعلاقات الدولية.

محاولة للضّغط على الحليف الأمريكي!
في البداية، يرى الخبير السياسي والأكاديمي الدكتور علاء عبد الحفيظ، أن التطوّر الحادث في العلاقات المصرية – الروسية، سببه الأساسي حالة الوهن التي تعتري العلاقات المصرية - الأمريكية مؤخرا، عقِب تعليق المساعدات العسكرية والتي كان من بينها قِطع غِيار مهمّة للطائرات، التي كانت القوات المسلّحة تستخدِمها في حملتها العسكرية لمكافحة الإرهاب في سيناء، ورفض الكونغرس اعتماد مساعدات مالية بحوالي 60 مليون دولار".

وقال عبد الحفيظ، رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة أسيوط : إن "هذا التوجّه المصري نحو روسيا حقيقي، وهو محاولة للضغط على الحليف الأمريكي، والذي لم يُبدِ تحمُّسه للتحوّلات السياسية الرّاهنة في مصر منذ 30 يونيو وما تلاها من أحداث"، مشيرا إلى أن "روسيا تقوم بهذه الخطوة في إطار عملية إعادة تقسيم مناطق النفوذ بالمنطقة، وهو ما تبيّـن في عدّة قضايا أخرى، أبرزها الأزمة السورية".

وأضاف عبد الحفيظ، أستاذ العلوم السياسية بكلية التجارة أن "العلاقات المصرية - الروسية ستشهد مزيداً من التطوّر في الفترة القادمة وسيَعتَبِر كلّ من الطرفيْن علاقته بالآخر ورقة ضغْط في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية في قضايا الشرق الأوسط، ولكن لا أعتقد أن ذلك سيؤدّي إلى حدوث تدهْور في العلاقات المصرية – الأمريكية، خاصة في المجال العسكري، وذلك إذا أخذنا في الاعتبار اعتماد مصر لأكثر من 40 عاما على السلاح الأمريكي، ولذلك فليس من السهولة بمكان تحويل الدفّة إلى السلاح الروسي".

موسكو قبضت الثمن مقدما!
ومن ناحيته، أشار علاء فاروق، الباحث والمحلّل السياسي، إلى أنه "من الصّعب أن تكون روسيا بديلاً للولايات المتحدة الأمريكية بالنسبة للدولة المصرية، خاصة على المستوى العسكري، نظرا لضعف سلاحها أمام السلاح الأمريكي، فضلاً عن وجود حالة من عدم الارتياح للتواجُد الروسي في المنطقة، نظرا لموقفها الدّاعم للرئيس السوري بشار الأسد وموقفها المعارض للثورات العربية عموما".

واستدرك فاروق، الخبير في شؤون روسيا وآسيا الوسطى قائلاً: "لكن ما تمّ مؤخرا مما أسموه تنسيق عسكري، هو عبارة عن عملية إحياء لعلاقات اتّسمت بالجمود والبرود معا، نظرا لتواجد واشنطن بقوة في المنطقة. ومن المعروف أن روسيا دولة براغماتية ولم يهبط مسؤولوها في أرض القاهرة، إلا بعد قبض الثمن أو الوعود بذلك، وما أثير حول محاولة السعودية إقناع بوتين بزيارة مصر مقابِل صفقة أسلحة تقدر بـ 15 مليار دولارا، يصب في التوقّع القائل بأن موسكو قبضت ثمن الزيارة ".

مختلفا مع عبد الحفيظ، يرى فاروق أن "التوجه المصري نحو روسيا حقيقي، وأنها ليست محاولة للضغط على الحليف الأمريكي، وإنما محاولة للبحث عن بدائل مساندة - خاصة وأن الدولة المصرية في حالة انهيار سياسي واقتصادي وأمني - مستغلّين حالة الحرب الباردة غيْر المُعلنة بين واشنطن وموسكو"، مشيرا إلى أنه "من غير المعقول، وبالرغم من كل مشكلاتها الاقتصادية والأمنية، أن تترك الولايات المتحدة روسيا تتحرّك بحرية في مِنطقة تعدّها واشنطن منطقة نفوذ لها، وهو ما يؤكّد أن ما تمّ مؤخّرا من إحياء العلاقات المصرية – الروسية، جاء بالتنسيق والترتيب مع البيت الأبيض".

ويعتقد الباحث المتخصّص في الشأن الروسي أنه "ليس من السهولة بمكان أن تحوّل مصر الدفة تماما إلى السلاح الروسي، نظرا لأنه أقل تقدما من السلاح الأمريكي، الذي يعتمد عليه الجيش المصري منذ السبعينيات، وتغييره يتطلّب تغيير ما يُسمّى بالعقيدة القتالية لدى الجندي المصري، وهو أمر يستغرق – حسب المتخصّصين – ما يقرب من 10 سنوات على الأقل، لكن التعاون ربّما يكون تقليديا في مراحله الأولى، يخيّم عليه البُعد الاقتصادي كاستيراد القمح الروسي وزيادة عدد السياح القادمين من هناك، بالإضافة إلى جوانب أخرى للتعاون في مجالات الصناعة والسكّة الحديدية.. إلخ".

مصر تعيد تقديم "الدب الروسي" مجددا
ومن جانبه، أوضح مؤنس الزهيري، الكاتب والمحلّل السياسي، "مصر"، لن تذهب إلى "روسيا".. وإنما "روسيا" هي التي ستأتي إلى "مصر".. ومعنى أن تعرض روسيا "السلاح الروسي" على مصر، يعني تقديم الشرف الروسي والتاريخ الروسي على أرض مصر، "مصر" تُعيد تقديم "الدبّ الروسي" للعالم مرّة أخرى، بعد أن لدغته "الحية الأمريكية" في يد حارسها غورباتشوف قبل أكثر من عشرين سنة مضت، "مصــر" تُعيد رسم خارطة القوى السياسية الجديدة على ظهر الكُرة الأرضية".

وقال الزهيري، الصحفي بجريدة الأخبار : "إن مسألة تعليق المساعدات الأمريكية لمصر، هي بمثابة "طلقة فشنك" من قبل واشنطن في الهواء لتخويف الدولة المصرية. فإذا بـ "طلقة حية" في الهواء أيضاً يطلقها القادة الرّوس بإعلانهم دعم الشعب المصري الذي استعاد انطلاقته الأولى في التوجّه نحو تنويع مصادر التعاون الاقتصادي والعسكري نحو المعسكر الاشتراكي منتصف الخمسينيات، والتي بدأها بصفقة الأسلحة التشيكية سنة 1950".

وأضاف: أن "مصر" لن تستبدِل الكابوس الأمريكي بآخر روسي. "مصر" تُعلن استقلالها عن التبعِية لأي قوّة عالمية، كما درج الأمر عليه منذ يوم 13 أكتوبر 1973، حين بدأت فعاليات وقف إطلاق النار عقِـب حرب أكتوبر في ذلك العام، مع ملاحظة أن العالم لم يعُد قاصراً على القوتين الأعظم، أمريكا وروسيا، جنوب شرق آسيا "يعجّ" بالقوى الإقتصادية والعسكرية، تلك القوى التي تتحرّك "بهدوء مدروس" في جنوب قارّة أوروبا ومعظم أقطار قارة إفريقيا، "الأرض البكر"، التي لم يكتشفها سكّانها بعدُ".

السياسة الخارجية تُصنع من الداخل
ومن منظور مختلف، يرى علاء بيومي، الباحث والمحلل السياسي، أن "استقلال القرار السياسي الخارجي لمصر، هو أولوية قصوى، ولكنه لن يتحقّق بدون وجود دولة ديمقراطية، تُعبّر فيها الحكومة عن الناس وتمتلك شرعية ديمقراطية، تجعل الشعب سندا لها في إدارة شؤون البلاد ".

وقال بيومي، الباحث المتخصص في العلاقات الدولية: "أرى أن التوجّه المصري نحو روسيا، هو محاولة للضّغط على الولايات المتحدة الأمريكية بالأساس وأن مصر ما زالت تدور في فلَـك أمريكا وحلفائها في المنطقة، وعلى رأسها السعودية، حيث قرأت تقارير تقول إن السعودية هي من تقِف وراء صفقة السلاح الروسي، ماديا وسياسيا، وذلك بسبب الخِلاف بين السعودية وأمريكا بخصوص سوريا ".

ويشير الباحث والمحلل السياسي إلى أن هذا من شأنه أن "يطرح السؤال حول مدى تبعِية سياسة "الانقِلاب" للسعودية حاليا، وما قد يفرضه ذلك من قيود؟ وهل سيغيِّر "الانقلاب" موقِفه من الصفقة لو تخلّت السعودية عن دعمها ماديا وسياسيا، إذا ما تحسّنت علاقتها بالولايات المتحدة؟ وهو أمر غيْر مُستبعَد على الإطلاق ".

واختتم بيومي بالتأكيد على أن "السياسة الخارجية لأي دولة، تُصنع من الداخل، من خلال تحقيق الاستقرار وبناء منظومة صناعية تكنولوجية، تضمَن تطوير القُدرات العسكرية، ولا تتحقّق بانقلاب يعتمِد على الخارج في تمويله لشراء المزيد من الأسلحة، التي لن تضيف الكثير من الناحية الاستراتيجية، إذ أن الدول الموردة للسّلاح في النهاية، سوف تحافظ على مستوىً معيّن من تسلّح مصر لا تتخطّاه ".

بقلم :همام سرحان