orientpro

عهد الشرق


أزمة المثقف العربي في زمن التحولات

أزمة المثقفين العرب

(2)

ثمة رأي شائع بأن المثقفين في أي مجتمع، يعتبرون رأس الحربة لأي تغيير أو تحوّل، ربما هذا الاعتقاد هو صائب في أماكن كثيرة وأثبت الركون إليه تقديم نجاحات لافتة، إلا أن الأمر لم يكن كذلك في مجتمعاتنا العربية، ومرد ذلك إلى العديد من الاعتبارات والأسباب الذاتية والموضوعية لهؤلاء المثقفين الذين صرفوا جهداً كبيراً من دون نتائج مرضية .

وعلى الرغم من الدور الذي لعبه مثقفو مجتمعاتنا العربية من تكوين البيئة المناسبة لإطلاق أي تحوّل، فإن دورهم الريادي المفترض كان غائباً، وفي أحسن الأحوال مغيباً . وفي قراءة هادئة لما جرى في غير نظام عربي، يتبيّن أن حجم الدور وفعاليته كان متواضعاً جداً مقارنة مع شرائح اجتماعية كان ينظر إليها نظرة دونية باعتبارها شرائح لا حول لها ولا قوة .

لقد وضع المثقفون العرب أنفسهم في هالة يصعب اختراقها أو الدخول إليها، واعتبروا أنفسهم منزهين عن الخطأ، في وقت كانت الخطايا السياسية تلف سلوكهم وتغلف مواقفهم ورؤاهم، ما وسع الهوة بينهم وبين نظرائهم من ذوي التوجهات والأهداف نفسها، وانعكس سلباً على مجمل وضعهم ضمن الأطر الاجتماعية والسياسية التي يتواجدون فيها . فعلى سبيل المثال لا الحصر، كان دور المثقفين في مجمل الحراك الشعبي في مصر وتونس وليبيا وسوريا ولبنان ثانوياً جداً، فيما الدور الأكبر والأبرز في هذه الدول كان لجيل الشباب الذي لم يكن يمتلك الخبرة الكافية أيضاً للوصول إلى ما كان يطمح إليه .

علاوة على ذلك، فإن غياب الأطر الحزبية المنظمة لأي جهد أسهم في تشتيت دور المثقفين، وجعل تحركاتهم مقتصرة على أطر تنظيرية لا عملية، وفي أفضل الأحوال اتجهت هذه النخب إلى بيئات إعلامية دعائية في وقت كانت الساحات العربية بحاجة ماسة إلى برامج ذات بُعد عملي تنفيذي لتأطير الجهود وإيصالها إلى أماكنها الطبيعية التي تحفّز أصحابها على المضي أكثر فأكثر في عمليات التغيير والتحوّل المفترض .

والأسوأ من ذلك كله، لقد تمكنت بعض هذه الفئات في بعض الأنظمة من التسلل إلى مؤسسات السلطة وقطفت بعض نتائج التحوّل دون تمكنها من تغيير لا الواقع ولا الوقائع، ما أحدث ردات فعل عكسية لدى الطبقات الشابة التي كان لها الدور الأبرز في الحراك، الأمر الذي أدى بدوره إلى إحباط نفسي سياسي أجج تحركات أخرى في محاولة لتصحيح الأوضاع القائمة، وهذا ما حدث مثلاً في مصر وبدأت مظاهره تبرز أيضاً في تونس وليبيا وغيرها، وهي موجات ثانية من الحراك يبدو أنها تؤسس لمزيد من حفلات الاقتتال المجتمعي على قاعدة الانقسام العمودي الحاد في غير مجتمع عربي .

إن هذا الواقع المرير الذي تعيش فيه الشرائح العربية المثقفة له أسبابه الذاتية والموضوعية المزمنة، فهي لم تتمكن على مدى العقود الماضية من الدخول إلى آليات السلطة بشكل مستقل، وإنما بأغلبيتها أدخلت إلى السلطة كجوائز ترضية، إما بهدف فصلها عن محيطها الطبيعي، وإما بهدف استيعابها والحد من فعاليتها، وإما تهميشها أو التنكيل بها، ما أدى إلى انفصام سياسي حاد في سلوكها وبرامجها إن وجدت، وفي أحسن الأحوال بقائها في أطر مغيبة عن واقعها المفترض .

إن الخروج من تلك الدوامة القاتلة يتطلب جهداً مضاعفاً يأتي في طليعته العمل على إيجاد آليات عمل تنظيمية حزبية ذات طابع مدني علماني بعيداً عن التأصيل التنظيري لمعتقدات وأيديولوجيات باتت من الماضي . وما يعزز وجوب المضي في هذه السلوكات الفشل الذي وقعت فيه معظم التجارب السابقة التي تزعمها هؤلاء المثقفون، بحيث لم تتمكن معظم التجارب من تقديم الجديد المفيد لبيئاتها الاجتماعية والسياسية، بل تسببت بتداعيات سلبية كبيرة على كيفية ممارسة السلطة والأدوات والخطاب السياسي الموجه للداخل والخارج، ما أنتج بدوره مظاهر التطرف في التعبير عن التبرم الاجتماعي .

ربما يحتاج المثقفون العرب إلى معجزات موصوفة للخروج من مأزقهم، فهم فقدوا دورهم المفترض، كما افتقدوا الثقة والصدقية اللتين تعتبران الأرضية الصالحة لنجاحاتهم، وبالتالي ثمة جهد كبير مطلوب لإعادتهم إلى الصورة وأخذ موقعهم في التحولات الجارية حالياً . إنه مطلب، بل تحدٍ ينبغي العمل عليه، وإلا إلى مزيد من التقهقر والتدهور المجتمعي والسلطوي الذي بدأنا الدخول فيه وعندها لن ينفع الندم .

بقلم : خليل حسين