orientpro

عهد الشرق


كيف صنعت الدولة القومية النزاعات الحديثة

دكتاتوريات معادية للحداثة

(2)

دول الحرب
في تفسير النزاعات التي نشبت مؤخرا في بلدان مثل سوريا أو السودان، أشار عدد من المراقبين إلى الأسباب المباشرة والمحددة في العصر الحالي: حيث أتاح فراغ القوة الناتج عن نهاية الحرب الباردة فرصا للمتمردين، وساهم في ظهور دورهم لملء هذا الفراغ؛ وأغرقت عولمة التجارة الحديثة العالم النامي بسلاح زهيد الثمن؛ وولد ارتفاع الطلب على السلع الاستهلاكية العالمية نزاعات جديدة حول النفط والمعادن، وانتشرت الجماعات الجهادية التي استخدمت شبكة المقاتلين المدربين في أفغانستان وباكستان.

خاضت ما يقرب من ثلث البلدان في الوقت الحاضر حروبا عنيفة من أجل الاستقلال والتي وحدت سكانا متنوعين من المناطق الاستعمارية أو الإمبريالية ضد أسيادهم، ولو بشكل مؤقت فقط. ولكن تحملت العديد من الدول القومية الناشئة صورة أسوأ من العنف حتى بعد أن حصلت على استقلالها؛ لأن مبدأ حق كل شعب أن تحكمه حكومة منه ولّد مزيدا من الصراع بين المنتصرين أنفسهم.

قامت الحكومات الإمبريالية في أحيان كثيرة بتجنيد أفراد الأقليات المحدودة في الجيش الاستعماري والنظام البيروقراطي. (يعد التفضيل البلجيكي لأقلية التوتسي في رواندا على أغلبية الهوتو في تعيينهم في الإدارة الاستعمارية في البلاد مثالا كلاسيكيا.) في المستعمرات السابقة الأخرى، سيطرت النخب والمجموعات المتعلمة على البيروقراطية الوليدة في دولة ما بعد الإمبريالية والأجهزة الأمنية، وفي الحقيقة كانت هناك مجموعات أخرى استاءت من مبدأ حق كل شعب في أن تحكمه حكومة منه. الأهم من ذلك، تفتقر العديد من الحكومات الجديدة إلى القوة السياسية والموارد للوصول إلى جميع السكان والتغلب على أوجه عدم المساواة التي حدثت في الحقبة الاستعمارية. زاد ذلك من صعوبة بناء الأمة وجعل المحاباة العرقية أكثر ترجيحا. وبذلك ظلت قطاعات واسعة من السكان مهمشة سياسيا.

الحروب الأهلية
أيا كانت أصول ذلك، اعتبرت عدم المساواة العرقية السياسية فضيحة بمجرد أن جرى قبول القومية كمبدأ إرشادي للشرعية. سهل ذلك على زعماء المعارضة حشد الأتباع وتنظيم عمليات تمرد مسلحة ضد الأنظمة الإقصائية. وتشير البيانات في كل بلد في العالم منذ عام 1945 إلى وجود ارتباط وثيق بين عدم المساواة ونشوب النزاعات: أدى تجاوز عدد السكان المهمشين سياسيا نسبة 30 في المائة إلى ارتفاع احتمالات نشوب الحرب الأهلية بنسبة 25 في المائة. وتعرض اليوم ما يقرب من 40 في المائة من البلدان المستقلة لتمرد عرقي سياسي واحد على الأقل منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. جدير بالملاحظة أن هذه البلدان ليست أكثر تنوعا عرقيا من تلك التي تعيش في سلام. ولذلك فإنه ليس التنوع في حد ذاته بل عدم المساواة السياسية هو الذي يشعل الصراعات.

تؤدي عوامل أخرى بالطبع دورا كذلك، ومنها القدرة القمعية للدولة: على سبيل المثال، من الصعب جدا تنظيم جماعات مسلحة في شمال الصين، لكن الأمر في الصومال أسهل. تزيد احتمالية اندلاع حروب أهلية أيضا في البلدان الأكثر فقرا؛ حيث تحمل العلاقات مع الحكومة أهمية اقتصادية. وأخيرا، ليس لكل المجموعات العرقية المهمشة سياسيا قيادة واعية قادرة على تشكيل حركة سياسية أو تنظيم تمرد.

كما قد تكون الدول القومية الجديدة أكثر عرضة للانجرار إلى الحرب مع بعضها البعض أكثر من الإمبراطوريات أو الدول التي تحكمها أسر حاكمة.

كانت الإمبراطوريات ترسم في الغالب حدودا فضفاضة وتعسفية مع عدم الالتفات إلى العرقيات. في المقابل، تهتم الدول القومية أكثر بالحدود لأنها قد تقسم مجموعة وطنية واحدة عبر دول عديدة. وهذا يسبب مخاطر؛ لأن أولئك الذين انتهى بهم المطاف على الجانب الخطأ من الحدود يعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية في الدول المجاورة التي تهيمن عليها الجماعات العرقية الأخرى. ويمكن انتهاك مبدأ حق كل شعب أن تحكمه حكومة منه. غالبا ما يحدث نزاع بين الدول القومية المتجاورة على الأراضي التي تتداخل فيها الجماعات العرقية أو على الحدود التي تفصل بين مجموعة عرقية واحدة

في بداية التسعينات، على سبيل المثال، قاومت الأقلية الصربية الاندماج في دولة كرواتيا الجديدة. وتدخلت حكومة صربيا، متوقعة أن إخوانهم العرقيين في كرواتيا قد يواجهون معاملة سيئة (وسعيا لتحقيق مشروع وحدتها القومية)، نيابة عنهم. واندلعت الحرب بين الكروات والصرب، انتهت بطرد الصرب الكرواتيين خارج الحدود.

في نهاية المطاف، يصل النزاع الداخلي حول من «يملك» الدولة الجديدة إلى نهايته. ويبلغ متوسط مدة النزاع 60 عاما. وغالبا ما ينتهي الصراع بعنف، عن طريق عمليات الطرد، أو تبادل السكان، أو الاستيعاب القسرى الذي يؤدي إلى مجتمع أكثر تجانسا. في حالات أخرى، نجحت الحكومات المركزية القوية ومنظمات المجتمع المدني القائمة في جعل الانتماء العرقي غير متصل بتشكيل تحالفات سياسية (كما في سويسرا) أو الحث على الاندماج في المجتمع الأوسع (كما هو الحال في فرنسا وبوتسوانا). وفي حالات أخرى، تساعد عملية ترتيب تقاسم السلطة بين ممثلي الجماعات العرقية المسيسة على تجنب حرب أهلية في المستقبل (كما في كندا).

تقرير الأقلية
باختصار، أصبح انتشار مبدأ حق كل شعب في أن تحكمه حكومة منه، وتشكيل الدول القومية، يمثلان قوة دافعة إلى الحروب الأهلية والحروب بين الدول، وهي حقيقة من المؤسف أنها تغيب عن كثير من الجدل العام حول الصراعات العنيفة الحالية.

في سوريا، على سبيل المثال، يقدم التاريخ السوري الذي يعج بالصراع نموذجا قريب الشبه بهذا النمط. لم تحقق الانتفاضة العربية ضد الحكم العثماني خلال الحرب العالمية الأولى استقلال البلاد، ولكن أدت إلى جولة أخرى من الهيمنة الاستعمارية من قبل فرنسا. بعد سلسلة من الثورات الفاشلة المناهضة للاستعمار خلال منتصف العشرينات، حصلت سوريا أخيرا على الاستقلال عن فرنسا في نهاية الحرب العالمية الثانية. تتعلق الكثير من الاضطرابات السياسية في فترة ما بعد الاستعمار بتوزيع السلطة السياسية فيما بين النخب العرقية. بعد عدد من الانقلابات العسكرية، وضعت عشيرة الأسد والطائفة العلوية الصغيرة اليد على ملكية الدولة.

وهكذا أصبحت سوريا مثالا كلاسيكيا للحكم العرقي؛ حيث تهيمن أقلية عرقية على كل مفاصل الدولة. ونتيجة للخروج على مبدأ حق كل شعب في أن تحكمه حكومة منه، تفتقر الحكومة تماما إلى التأييد الشعبي والشرعية السياسية. وقدم النظام تعويضات من خلال تبني الخطاب القومي العربي والسياسات المعادية لإسرائيل، واستيعاب النخبة الاقتصادية السنية، وبناء الأجهزة الأمنية الضخمة التي اخترقت نسيج المجتمع كله، وعمليات قمع وحشية لأي شكل من أشكال الاحتجاج أو التمرد، مثل الانتفاضة السنية في عام 1982. وفي الوقت الحالي، تتصاعد حدة الحرب الأهلية في سوريا بين الفرق الدينية والطائفية، كما حدث للعراق المجاور بعد الغزو الأميركي. على الرغم من أن المستقبل لا يزال غير قابل للتوقع، ويرجح أن السلام لن يرسى في سوريا قبل أن يسمح النظام الإثنوقراطي الذي يحكمه الأسد بإقامة بنية سياسية تشارك من خلالها الأغلبية السنية في الحكم، وفي الوقت ذاته، قد ينتهي الأمر بالأكراد إلى إنشاء دولتهم المستقلة في المستقبل.

دولة السودان
أما السودان، فشأنه شأن سوريا والعراق؛ حيث أدت الحرب القومية التي امتدت لعقود طويلة في النهاية إلى انفصال جنوب السودان، حيث يشكل غير المسلمين من أصل أفريقي الأغلبية، في عام 2011 عن شمال السودان، الذي يسوده سياسيا العرب المسلمون منذ إنشاء دولة السودان. يدور التوتر بين الدولتين على ترسيم دقيق للحدود بينهما. في شكله الحالي، يترك الانقسام عشرات الآلاف من الأفارقة غير المسلمين مهمشين سياسيا في شمال السودان. وفي جنوب كردفان ومنطقة النيل الأزرق، الواقعتين شمال خط التقسيم، استمر المقاتلون السابقون من أجل جنوب مستقل في مهاجمة القوات الشمالية بدعم ضمني من الحكومة السودانية الجنوبية الجديدة والجيش الشعبي. وقد أدت الاشتباكات بين جيشي الدولتين إلى إثارة مخاوف العديد من المحللين بشأن وقوع مزيد من العنف في المستقبل.
في الجنوب، أحدث مبدأ عدم المساواة السياسية العرقية صراعا داخليا أيضا. بعد الاستقلال بفترة وجيزة، تعاظمت شكاوى جديدة حول هيمنة مقاتلي الدينكا السابقين، الذين أسسوا وسيطروا على حركة الاستقلال، على البيروقراطية والجيش اللذين تأسسا مؤخرا. اندلعت الصراعات المسلحة بين قوات الحكومة وفصائل متمردة عديدة تدعي تمثيلها لناخبي النوير أو المورلي.

ماذا يحمل المستقبل لدولتي السودان؟ وبالنظر إلى أن السيطرة على موارد النفط الهامة في خطر، فمن غير المحتمل أن تجري تسوية صراعاتهما من خلال إعادة ترسيم بسيط لحدود النزاع بينهما. ومن غير الوارد أيضا أن الحكومة الحالية في الخرطوم ستفتح صفوفها لمقاتلي الاستقلال السابقين وأتباعهم العرقيين. سيكون الصراع طويل الأمد، أقل حدة وأكثر احتمالا، على الأقل طالما ظل النظام الإثنوقراطي في الخرطوم على قيد الحياة. أما بالنسبة للصراع الداخلي في جنوب السودان، بالنظر إلى ضعف القدرات المؤسسية للدولة، فسيكون من الصعب متابعة مشروع بناء الدولة بنجاح من خلال دمج العديد من الدوائر الانتخابية العرقية في البلاد وعدم تسييس الانتماءات القبلية والعرقية. ويمكن أن يتوقع المرء استمرار الصراع على السلطة في تحالفات غير مستقرة وحدوث اقتتال في بعض الأحيان.

كوسوفو
ينطبق هذا النمط أيضا على كوسوفو. حيث أصبحت دولة ذات سيادة بعد عقود من الحراك القومي ضد الحكم الأجنبي الذي مارسته الدولة الصربية. أدت حرب الاستقلال في أواخر التسعينات إلى تدخل حلف شمال الأطلنطي، يليه عقد من إدارة الأمم المتحدة. وفي عام 2008، أُعلنت كوسوفو دولة ذات سيادة. ولا تزال التوترات قائمة بين الأغلبية الألبانية في الدولة الفتية، التي عزز قوتها الاستقلال، والأقلية الصربية. حالت حماية «الناتو» دون تطهير المعاقل الصربية في الإقليم المستقل منذ فترة طويلة. وإذا لم تكن صربيا تحت تهديد مزيد من قصف «الناتو»، فعلى الأرجح أنها تخلت عن التدخل العسكري حماية لإخوانها العرقيين عبر الحدود، ومما كان سيشعل حربا بين الدولتين. كان من الممكن أن يساعد التدخل المبكر نسبيا في حينه على منع تصاعد النزاعات ونشوب حرب شاملة في البوسنة. توضح قصة البوسنة أيضا أنه ليس حلا مستداما أن تجبر النخب ذات الأجندات القومية المتضاربة على تقاسم السلطة في دولة لا يريدونها.

لا يخلو هذا النمط التاريخي من الاستثناءات. كما أنه لا يفسر كل الحروب في العالم. ظهرت بعض الدول القومية غير المتجانسة عرقيا، بما في ذلك الجبل الأسود، دون عنف وظلت تنعم بالسلام. نشبت بعض الصراعات المعقدة في بعض الدول القومية القائمة منذ فترة بعيدة مثل كولومبيا مع عدم تعلق ذلك بنزعات قومية أو عرقية. ومع ذلك، هناك أمثلة كثيرة يمكن الاستشهاد بها لا تتبع هذا النمط: انظر إلى صراع الأكراد في تركيا، وعملية السلام الهشة في أيرلندا الشمالية، والوضع في دارفور، والعنف الطائفي المتصاعد في العراق، وسلسلة الصراعات القوقازية التي ظهرت منذ تفكك الإمبراطورية السوفياتية، أو المقاومة للحكم الصيني في التبت. في حالات أكثر تعقيدا أدى الإقصاء السياسي العرقي إلى ظهور حركة عصابات ذات أجندة غير عرقية، مثل المقاتلين الماركسيين في غواتيمالا، أو الماويين في بيرو، ونيبال، ومناطق من الهند.

وهكذا من المعقول التنبؤ بأن الدول المعاصرة التي تهمش أجزاء كبيرة من سكانها سياسيا قد تنجر إلى عنف مسلح ممتد. وهنا تتعرض عدد من البلدان للخطر، منها رواندا، حيث تحكم مجموعة صغيرة من التوتسي العائدين من قواعد أوغندا المجاورة أغلبية الهوتو بقبضة من حديد؛ والأردن، الذي قد يصبح غير قادر يوما ما على تحويل الطموحات السياسية لمجموعة كبيرة ضعيفة سياسيا من المواطنين الفلسطينيين إلى إسرائيل المجاورة؛ وبيرو وغواتيمالا، اللتين تستمران، على العكس من بوليفيا، في تهميش سكانها الأصليين الذين يمثلون نسبة كبيرة؛ وغينيا، حيث احتج الحزب، الذي يفضله البويول الذين يشكلون نحو 40 في المائة من السكان والذي جرى إقصاؤه لمدة طويلة من السلطة، على تزوير الانتخابات التي أجريت مؤخرا في فبراير .

التكامل السياسي العرقي
تستدعي هذه الأنماط الثابتة من العنف حلولا سياسية بسيطة وسليمة من الناحية النظرية، ولكنها تواجه تحديا كبيرا لكي تدخل حيز التنفيذ. يمثل بناء هياكل سلطة أكثر شمولية – وليس بالضرورة من خلال الديمقراطية الانتخابية – الاستراتيجية الأكثر قابلية للحياة في الدول الجديدة لمنع نشوب الصراعات المسلحة. وكثيرا ما تذكر مقدونيا بوصفها نموذجا ناجحا يوضح كيف تؤدي الهندسة المؤسسية، تحت ضغوط دولية مكثفة، إلى ترتيب المشاركة في السلطة المستقر نسبيا. يمكن للمرء توسيع قائمة الاستراتيجيات الناجحة بالالتفات إلى تنزانيا؛ حيث أسس زعيم وطني بنية تحتية من السلطة ممتدة النطاق، مما سد الفجوة بين الانقسامات العرقية. تقدم بوتسوانا وبوركينافاسو أيضا أمثلة لمشاركة عرقية ناجحة. في الحالة الأخيرة، يرجع الفضل إلى شبكة قوية من النقابات العمالية أصبحت منصة لتحقيق التكامل السياسي العرقي. وفي الوقت ذاته، تظهر تجربة الولايات المتحدة مؤخرا في أفغانستان مدى صعوبة تعزيز التكامل السياسي من خلال الاحتلال. يقوض الدخلاء الذين يقدمون السلع العامة – المدارس والمستشفيات وما شابه ذلك – شرعية الحكومة المحلية، بدلا من تعزيزها. ليس من الصعب فقط بناء الأمة من الخارج، ولكن أيضا من المستحيل من الناحية الهيكلية. يبدأ الطريق إلى السلام – نحو دولة شاملة لا تنتهك مبدأ حق كل شعب في أن تحكمه حكومة منه- من الداخل.