orientpro

عهد الشرق


وعود بنظرية كاذبة: "ارض الميعاد" تحولت إلى كارثة على اليهود

حل الدولتين أم الدولة الواحدة؟ مستقبل فلسطين في عيون أبرز المفكرين العالميين
كثيرة هي الأطروحات التي تستشرف مستقبلَ الحل الممكن للقضية الفلسطينية، هذه الدولة مجهولة المعالم، التي ينتظر الفلسطينيون العيش في أكنافها، واللاجئون العودة لإعمارها، وفي هذه الأطروحات تقدم الكثير من المصطلحات والمفاهيم مثل «حل الدولتين» أو «حل الدولة الواحدة»، وتحت كل مفهوم تفاصيل وتصوراتٌ كثيرة منها ما يستشرف مستقبل الدولة، أهي فلسطينية أم إسرائيلية. وكل هذا يعيدنا إلى المربع الأول: من هو الفلسطيني؟ وما هي فلسطين؟
في هذا التقرير، نأخذكم في جولة شائقة في عقول أهم المفكرين الذين ناقشوا وفكروا في هذه المسألة، ولكن قبلها نعرج سريعًا إلى حل الدولتين وكيف وصل هذا الحلَّ إلى مفترق طرق بعد إصرار إسرائيل على سياسة المستوطنات، والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.

منذ قدوم الصهيونية إلى فلسطين.. جذور حل الدولتين المستحيل
يعود نقاش حل الدولة الواحدة أو الدولتين إلى الفترات الأولى للمشروع الاستيطاني الصهيوني، عندما كانت فلسطين تحت حكمِ الاستعمار (الانتداب) البريطاني الذي استمر منذ عام 1920 حتى انسحابه عام 1948.
حملت الفكرة الصهيونية في جذورها احتلال فلسطين من البحر إلى النهر، أي حل الدولة الواحدة اليهودية، واقتلاع سكانها الأصليين «الفلسطينيين»، ولكن بحكم السياسة والواقع، كان دائمًا حل الدولتين عبارة عن طرحٍ تكسب به إسرائيل وقتًا وتغير واقعًا، وتشقُّ طرقًا جديدة للوصول إلى إسرائيل العظمى، ولم يكن من الممكن تحقيق مثل هذه الدولة منذ بداية المشروع الصهيوني، أولًا لمقاومة الشعب الفلسطيني إلى هذا اليوم، وثانيًا لأن عمليات التطهير العرقي واستئصال السكان الأصليين عملية ديموغرافية وجغرافية في غاية الصعوبة.
وفي فترة الاستعمار البريطاني، نظَّر العديد من المفكرين الصهاينة، والفلسطينيين، والبريطانيين إلى مستقبل الدولة. ومن بين المدرسة الصهيونية، كان هُنالك تيار هامشي يؤمن بإمكانية إنشاء دولة «ثنائية القومية»، بين الفلسطينيين واليهود، تقامُ من دون عمليات الطرد وتهجير ومجازر بحقِّ الفلسطينيين.
تعد مجموعة «حلف السلام – بريت شالوم» التي تأسست عام 1925 من أبرز الأمثلة على هذا التيار، فقد كان الحلف ينادي بإنشاء دولة ثنائية القومية، ولكنَّ هذا التيار همشه بن غوريون ورفاقه في حزب العمال الذين وصفوهم بـ«الحالمين» المنفصلين عن الواقع، وقد كان بن غوريون يؤكد في تلك الفترة ويقول: «الشعب اليهودي يريد أن يكون شعبًا حرًّا في أرضه، وأن يكون سيده، وهذا يعني دولة يهودية».
كانت مجموعة حلف السلام تؤمن بدولة ثنائية القومية، يؤسس بها اليهود دولتهم، والفلسطينيون كذلك، وتعقد اتفاقيات تعاون وتنسيق بينهما، وأبرز وجوه التيار الحاخام والمفكر ليون ماجنيس، الذي نشر مقالًا عام 1930 مناديًا بإنشاء دولة ثنائية القومية، ومن هؤلاء أيضًا الفيلسوف النمساوي الإسرائيلي مارتن بوبر، الذي عارض سياسات هرتزل لإنشاء دولة إسرائيلية قومية، ودعا لإقامة «تحالف عادل مع الشعوب العربية»، وقد رأى بوبر أن فلسطين تسع للجميع، ولا يوجد مسوغات لقمع السكان الأصليين أو طردهم.
كان هنالك قيادات عربية وفلسطينية مستعدة للتعاون والوصول إلى رؤية توافقية، وإبان الثورة الكبرى الفلسطينية عام 1936، اجتمع مصطفى الخالدي مع القانوني جاد فرومكين للتفاوض حول إنهاء الإضراب العام مقابل وقف الهجرة اليهودية. واجتمع فرومكين مع ماجنيس ومعهم ثلاث قيادات يهودية وأطلقوا مبادرة سموها «مبادرة الخمسة» مطالبين بعدم التصعيد ووقف الهجرة مؤقتًا، وبعد إعلان المبادرة سُحبت صلاحياتهم التفاوضية مع العرب.
تمخض عن هذه المبادرة، خطة يهودية إنجليزية تسمى «هايمسون – نيوكومب»، ونيوكومب هو عقيد بريطاني اسمه ستيوارت إف نيوكومب، وصفه بن غوريون بأنَّه «معادٍ للصهيونية»، وكانت هذه الخطة تسعى لإقامة دولة فلسطينية مستقلة عن سلطة الانتداب البريطاني، يتمتع فيها اليهود والعرب بحكمٍ ذاتي، وهذا يعني قيام وطن يهودي وليس دولة يهودية، مع وجود شرط عدم تجاوز اليهود نسبة 50% من السكان في فلسطين وشرق الأردن.
كانت هذه الجهود كالرماد المبثوث، في وجه مشروع كان هدفه منذ البداية، استيطان فلسطين وطرد سكانها. وفي تلك الفترة، أي أثناء فترة الثورة الكبرى، تشكلت «لجنة بيل – Peel Commission » التي بدأت بطرحِ «حل الدولتين» عام 1937 حلًّا دائمًا بين اليهود والعرب، ولكنَّ اللجنة العربية العليا التي كان يقودها أمين الحسيني رفضت هذه المبادرة، ورفضت فكرة إقامة دولة يهودية مع طرح دولة فلسطينية مستقلة، مع توفير الحماية لجميع حقوق الأقليات اليهودية، وقد رأى بن غوريون أنَّ القبول بحل الدولتين ستكون الخطوة الأولى للتوسع والاستحواذ على فلسطين كاملة.
وبعد قرار تقسيم فلسطين للأمم المتحدة عام 1947 (الذي قضى بتقسيم الأراضي الفلسطينية التاريخية إلى دولة عربية ودولة يهودية أكبر من الأولى مساحةً) وأحداث النكبة والمجازر التي ارتكبت في حقِّ الفلسطينيين، بدا واضحًا أن إسرائيل بوصفها مشروعًا استيطانيًّا، تريد إقامة دولة يهودية قومية، من البحر إلى النهر بأيِّ شكلٍ ممكن.
يقول المفكر الفلسطيني جوزيف مسعد، بروفيسور السياسة العربية الحديثة وتاريخ الأفكار بجامعة كولومبيا، في مقال رأي له نشر على موقع «عربي 21»: «ومنذ عام 1967، تم إنفاق مليارات الدولارات لفرض حل الدولتين ـ من المهم الإشارة هنا بأن الأخير هو حل للفشل الصهيوني في استعمار البلد بأكمله بنجاح على الشعب الفلسطيني. كان استسلام منظمة التحرير الفلسطينية في عام 1993 بتوقيع اتفاقيات أوسلو، وفقًا لمنظمة التحرير، عبارة عن تتويج جهود تحقيق «حل الدولتين» الذي يضفي الشرعية على إسرائيل، بينما يمنح جائزة ترضية لمنظمة التحرير الفلسطينية على شكل دويلة مؤجلة إلى أجل غير مسمى».
وعليه فإن حل الدولتين لم يكن منذ البداية سوى مناورات سياسية، ووقتية من قبل إسرائيل، وكما يصف جوزيف مسعد، فقد كانت اتفاقية أوسلو «حيلة علاقات عامة لتسويق حل الدولتين»، وذلك لتطبق إسرائيل سيطرتها على جميع الأراضي الفلسطينية، وقد وقعت منظمة التحرير في مصيدة حل الدولتين، ولا تزال إلى يومنا هذا متمسكة بها، رغم أنَ منظمة التحرير الفلسطينية التي تأسست عام 1964 كانت تحمل رؤية لدولة واحدة فلسطينية، علمانية ديمقراطية، من البحر إلى النهر.
ومع صعود الرئيس دونالد ترامب، واستغلال بنيامين نتنياهو هذه اللحظة التاريخية، وقع ترامب أمرًا تنفيذيًّا بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس معلنًا القدس عاصمة لإسرائيل، وبهذا وصل حل الدولتين إلى نهاية الطريق، وبدأت تخرجُ خطابات حل الدولة الواحدة إلى السطح أكثر فأكثر.
رغم نقده الشديد واللاذع لإسرائيل ووصفها بأنَّها مشروع استيطاني، وتأليفه وكتابته عن عنصرية المشروع الصهيوني وجرائمه، يعتقد الفيلسوف الأمريكي نعوم تشومسكي، أنَّ حل الدولتين لا يزال ممكنًا، وتشومسكي من المفكرين الذي يرون أن الحل للصراع القائم مرهون بالنظام الدولي، خاصةً الولايات المتحدة.
ويقول تشومسكي إن بإمكان أمريكا الضغط على إسرائيل عن طريق المساعدات الاقتصادية والعسكرية لتطبيق حل الدولتين، وفي حديثه عن حل الدولة الواحدة يظن تشومسكي أنَّه ليس خيارًا أصلًا بسبب أنَّ إسرائيل لن تقبل بدولة يكون فيها اليهود أقلية، ويعلق تشومسكي قائلًا بأنَّ ما يحدث اليوم على أرض الواقع، بناء إسرائيل الطرق السريعة والموصلة بالمستوطنات سيهمش الطرح المحصور بين حل الدولة الواحدة أو الدولتين، بسبب سعي إسرائيل الحثيث ولمدة عقود لتحقيق «إسرائيل العظمى».
وفي إطار تشومسكي، نستطيع قراءة خطاب وتحركات السيناتور الأمريكي بيرني ساندرز، الذي يتمسك بحل الدولتين، ويرفض حل الدولة الواحدة بسبب أنَّها ستعني بالضرورة نهاية الدولة اليهودية، ويركز ساندرز على الحقوق الفلسطينية وينتقد انحياز الدولة الأمريكية الكامل لإسرائيل.

وفي مقال له نشره على «نيويورك تايمز» بعنوان: «على الولايات المتحدة التوقف عن تقديم الأعذار لحكومة نتنياهو»، ينتقد التبرير الدائم الذي تستخدمه الحكومة الأمريكية بعبارات مثل «لدى إسرائيل حق الدفاع عن نفسها» مبررة بذلك تدمير إسرائيل لغزة. ويبقى سقف ساندرز السياسي في موضوع فلسطين منخفضًا إذا ما قارناه بتشومسكي، أو إذا ما قارناه بسياسيين أكثر جذرية منه، مثل زعيم حزب العمال السابق، جيرمي كوربين.
أما بالنسبة لأستاذ العلوم السياسية جون ميرشيمر، أحد رواد المدرسة الواقعية بالتحليل السياسي، فإنَّ حل الدولتين قد وصل إلى نهاياته المنطقية، وهو عبارة اليوم عن خيال خالص، رغم اعتقاده سابقًا بأنَّه الحل الأفضل، وذلك ببساطة لأنَّ إسرائيل لن تتوقف عن بناء المستوطنات، وتوسيع أراضيها مما سيجعلها «دولة أبارتايد»، ويرى ميرشيمر أنَّ دولة أبارتايد يهودية لن تملك عناصر استدامتها، وبالتالي سيؤول بها المطاف إلى دولة ديمقراطية ثنائية القومية يسيطر عليها المواطنون الفلسطينيون، ويعني هذا نهاية الدولة اليهودية و«ضياع الحلم الصهيوني».

دولة علمانية واحدة
«دولة المواطنة العلمانية» عنوان يختصر أطروحة المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد، الذي كان من رفاقِ ياسر عرفات، وهو من كتبَ له خطابه الشهير بالأمم المتحدة عام 1974، ولكن مع مرور الوقت رأى سعيد أنَّ اتفاقيات أوسلو لن تفضي إلا لمزيد من الاستيطان والاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، وكان يرى سعيد حينها أنَّ عرفات وأصدقاءه تحولوا إلى ضمانة لأمن إسرائيل.
وبينما كانت قيادات منظمة التحرير تتفاوض سرًّا للوصول إلى حلٍّ مع الإسرائيليين، كان العالم قد شهد تجربة فريدة من نوعها في جنوب أفريقيا، عندما استطاع السود بقيادة نيلسون مانديلا كسر شوكة نظام الفصل العنصري «الأبارتايد»، وقد ألهمت هذه التجربة العالم أجمع، بما فيهم إدوارد سعيد، الذي كان مفكرًا وصاحب تجارب متعددة، وقد انخرط سعيد وفهم الثقافة الغربية، خاصة الأمريكية؛ مما جعله يرى إمكانية قيام دولة واحدة، ثنائية القومية، تقوم على المواطنة والقانون والمساواة.
في مقالٍ لسعيد على صحيفة «نيويورك تايمز» عام 1999، قال إن اتفاقية أوسلو لا تحقق سلامًا دائمًا وشاملًا كما تدعي، وأنَّ السلام الحقيقي يتحقق بإقامة «دولة ثنائية القومية بين الإسرائيليين والفلسطينيين»، ويوضح سعيد بأنَّه لا يمكن للفلسطينيين تحقيق مصيرهم في دولة منفصلة، وذلك لأسباب فرضتها إسرائيل بتقسيماتها الجغرافية والديموغرافية.
يعتقد سعيد أيضًا أنَّه لا يمكن لإسرائيل التخلص من الفلسطينيين بشكل كامل، وأنه لا يوجد طريق سوى «مشاركة الأرض» بطريقةٍ ديمقراطية حقيقية، وبحقوق متساوية لكل مواطن، ويرى أن هذه هي الطريقة التي تمكِّن الشعبين اليهودي والفلسطيني من تحقيق مصيرهما (Self Determination ).
وبالنسبة لسعيد فإن فلسطين لديها تاريخٌ طويل ضمت فيه شعوبًا وأديانًا وأعراقًا مختلفة عاشت وتعايشت، وأن دولة ثنائية القومية ليست فكرة حديثة، وإنَّما طرحت من قبل مفكرين يهود، مثل ماجنيس وبوبر (سبق أن ذكرناهم)، وحنة آرنت. تحقيق فكرة كتلك ليست سهلة بالطبع، فهنالك طرف صهيوني يملك أدوات القوة ويؤمن بفلسطين أرضًا لليهود، وهنالك الطرف الفلسطيني الذي تعرض للظلم والتهجير، والذي بالنسبة له التخلي عن فلسطين العربية يعني التخلي عن تاريخه.
لقد طرح سعيد في مقاله سيناريوهات مختلفة، فبالنسبة له إذا لم يستطع الإسرائيليون والفلسطينيون الوصول إلى نموذج دولة المواطنة، فإما ستستمر الحرب، وإما واقع سلميٌّ يشبه الأبارتايد في جنوب أفريقيا، ولتطبيق دولة المواطنة، دعا سعيد إلى ضرورة فصل ما هو يهودي عما هو إسرائيلي أولًا، وفتح حوار وتواصل أكاديمي بين المثقفين الفلسطينيين والإسرائيليين، وتنفيذ حملات دولية، واستخدام أدوات النضال السلمي.
يشترك في هذه الرؤية العديد من المفكرين البارزين، مثل المفكر عزمي بشارة، الذي كان ناشطًا في السياسة الإسرائيلية بوصفه فلسطينيًّا يعيش في أراضي 48، وكان بشارة قياديًّا في التجمع الوطني الديمقراطي، وهو حزب قومي عربي تأسس عام 1995. يحمل بشارة رؤية مشابهة لما طرحه سعيد، حيث يقدم نموذج دولة «ثنائية القومية»، ويقول بشارة بأنَّ نموذج دولة ثنائية القومية قريبة من السياق الفلسطيني بسبب وجود «قوميات متشكلة فعلًا»، ويرى بشارة أنه لن يكون هنالك عائق فكري عند الفلسطينيين من تبني مثل هذا الحل، ولكنَّ إسرائيل لن تقبل به بسبب تناقضه مع فكرة «الدولة اليهودية».
بالإضافة إلى المفكرين العرب، هنالك مفكرون إسرائيليون يتبنون الرؤية ذاتها من أهمهم المؤرخ الإسرائيلي إلان بابي، الذي كتب وأرخ لعمليات التطهير العرقي والتهجير التي نفذتها إسرائيل ضد الفلسطينيين عام النكبة، ويدعو بابي عن طريق كتاباته وخطاباته بأن الحل يكمن في دولة واحدة قائمة على فكرة المواطنة.
وتعتقد الكاتبة الفلسطينية غادة كارمي، المحاضرة في الدراسات العربية والإسلامية بجامعة إكستر البريطانية، أن من ينادي بقيام الدولة الواحدة عادةً يفتقر لطرح حلول عملية عن ماهية هذه الدولة، وكيف يمكن تحققها، وتجادل كارمي بأنَّ حل الدولتين وهمٌ يسيطر على السلطة الفلسطينية وهو غير متحقق واقعيًّا بسبب الهيمنة الإسرائيلية.
تقترح كارمي بديلًا آخر مختلفًا عما هو سائد في هذا الجدال، وهو حلول الشعب الفلسطيني تحت الدولة الإسرائيلية، بمعنى أن تحلَّ السلطة الفلسطينية، ومن ثم يصبح الفلسطينيون رعايا تحت الدولة الإسرائيلية، ويقومون بالمطالبة بحقوقهم المدنية، والحصول على الجنسية الإسرائيلية.
لماذا تعتقد كارمي أنَّ هذه الخطوة مهمة؟ لأنَّها تعتقد أنَّ هذا سيجعل إسرائيل، أمام العالم، دولة أبارتايد ونظام فصل عنصري، وسيضع الدولة الإسرائيلية وحلفاءها فيما أسمته «الموقف المثير» أمام معضلة الأبارتايد، وتستوحي بأنَّ حلَّها سيضع الفلسطينيين في موقفٍ مشابه لتجربة حركة الحقوق المدنية، وتجربة الأبارتايد في جنوب أفريقيا، وبالتالي ستمهد هذه الخطوة إلى «الدولة الواحدة الحقيقية»، ولا تنكر كرامي الصعوبات والعقبات التي تواجه اعتماد هذا الحل.
كما يتبنى حل الدولة الواحدة القائمة على المواطنة ناشطون سياسيون مثل عمر البرغوثي، أحد مؤسسي حركة المقاطعة «BDS » الذي يطالب بالدولة الواحدة الديمقراطية، ويقول إنَّ إنشاء دولة واحدة بين العرب واليهود هو الحل الأكثر «أخلاقية، وعدلًا، وأكثر استدامة وديمومة».

المقاومة المسلحة شريطة الدولة الفلسطينية الواحدة
حل الدولة الواحدة بالنضال السلمي ليست المدرسة الوحيد، وهنالك مدرسة فكرية متجذرة، ترى بحلِّ الدولة الواحدة، ولكن ليس على الطريقة التي ينظر إليها إدوارد سعيد وعزمي بشارة، وإنَّما عن طريق المقاومة المسلحة، وتحرير فلسطين من بحرها إلى نهرها.
من أبرز رواد هذه المدرسة المفكر الفلسطيني منير شفيق، صاحب التجربة النضالية والفكرية العميقة، وأحد أهم منظري الحرب والنضال المسلح، وقد انضم لحركة فتح في السبعينيات، وبعد إسلامه انخرط مع الجهاد الإسلامي الفلسطيني.
يعارض شفيق استخدام وصف «الأبارتايد» لما يحدث في فلسطين، ذلك لرؤيته بأنَّ سياسات الكيان الصهيوني ليست مقتصرة على التمييز أو الفصل العنصري وإنَّما هي سياسات «اقتلاعية» للشعب الفلسطيني، وأنَّ خطاب الدولة الواحدة المرتبط بالنضال السلمي الديمقراطي يهمش أي مقاومة مسلحة، وبالتالي «يشوش» على حقيقة ما ارتكبه المشروع الصهيوني تاريخيًّا وحاضرًا في حقِّ الشعب الفلسطيني من اقتلاع وطرد وإحلال.
يؤكد شفيق أنَّ «الحل الوحيد الممكن هو إما أن كلُّ فلسطين لنا ولا حق لهم فيها، وإما كل فلسطين لهم وليس للشعب الفلسطيني غير المقاومة بكل أشكالها»، ويرى شفيق أنَّ فشل حل الدولتين، يثبت أنّ الهدف الكبير للدولة الصهيونية طرد جميع الفلسطينيين. لا يرفض شفيق استخدام الأبارتايد لوصف بعض السياسات الإسرائيلية، شريطة ألا ننسى أنَّ مربع الصراع الأول هو «الحق الفلسطيني في كل فلسطين»، بحسبه.
وباختصار شديد فإنَّ شفيقًا يرى أنَّ دولة ثنائية القومية كما تطرح اليوم ما هي إلا تنازل جديد، وأنَّ مطالبة المجتمع الدولي بدولة مواطنة مع الإسرائيليين جهل أو استنكار لطبيعة علاقة الدولة الإسرائيلية مع المجتمع الدولي، خاصة الولايات المتحدة، وتجاهل لجوهر المشروع الصهيوني الذين يقوم على طبيعة توسعية استعمارية، تريد طرد واقتلاع الشعب الفلسطيني، وضمان مصلحة القوى الدولية الغربية.
انتقد شفيق أطروحة إدوارد سعيد وعزمي بشارة التي سبق أن ذكرناها في التقرير، في كتابه «من اتفاق أوسلو إلى الدولة ثنائية القومية» وفي مراجعة للكتاب نشرت على موقع «إضاءات»، فيها تلخيص لهذا النقد، فإن شفيقًا يرى في منطلق المقاربات بين التجارب المختلفة مثل جنوب أفريقيا، أو فيتنام، أو الجزائر، وإسقاطها على التجربة الفلسطينية إجحافًا وخروجًا عن السياق الفلسطيني وطبيعة الدولة الصهيونية.
ويعد شفيق من منظري ومؤرخي المقاومة المسلحة، ويشدد على أهميتها للتمكن من التحرير، وأن النضال السلمي عن طريق الحملات الدولية والضغط في الأمم المتحدة، لم ينجح في الضغط على الكيان الصهيوني في العدول عن ظلمه.
تبقى مسألة هوية وشكل الدولة المستقبلية في فلسطين مسألة جدلية وتحمل وجهات نظر مختلفة، فكلٌ لديه تجربته وأفكاره الخاصة وينظر منها إلى هذا الحل، وعند التنظير لهذه الدولة غالبًا ما يفترض أنَّ الوضع الإقليمي عند تأسيسها سيكون ما هو عليه، بحدوده الحالية وبدوله القائمة التي نراها اليوم، ولهذا يبقى السؤال العالق: ما الذي سيبقى من الترتيبات الإقليمية الحالية إذا سقطت الدولة الإسرائيلية؟ وماذا ستعني فلسطين حينها؟ وبنظرة إلى الخريطة قد تتكشف لك أفكار وتصورات أخرى عن الحدود والجغرافيا.
يوسف موسى
20 مايو, 2021