orientpro

عهد الشرق


العالم في مرحلة انتقالية قد تنتهي إلى حرب عالمية أو تغيّـر في الخريطة الجيو- سياسية


إقامة نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط

(8)

في مطلع العام المشارف على نهايته، بدا أن طيف القرن العشرين يخيّم على الصحف الغربية. وأقام الصحافيون مقارنة بين 2013 و1913، ولخّص المعلّق والكاتب جاك أتالي (ليكسبريس الفرنسية، 21/1/2013) أوجه الشبه هذا باصطدام مرحلة نمو مزدهرة باندلاع ازمة مالية كبيرة، بريطانيا في الامس البعيد والولايات المتحدة اليوم. فـ 1913 كان عاماً مفصلياً برزت فيه نتاجات تكنولوجيا في قطاعي الطاقة والاتصالات (الكهرباء والسيارة والطائرة والغواصة)، وحركات اجتماعية نادت بالديموقراطية في اميركا اللاتينية وأفريقيا وروسيا وآسيا، وعقائد شمولية توتاليتارية طعنت في اقتصاد السوق والديموقراطية ورفعت لواء مكافحة عقيدة حقوق الإنسان.

«مجلس الاستخبارات القومية الاميركية» كان أول من سلط الضوء في تقريره الصادر في ختام 2012 (لخصته صحيفة «لوموند» في 1/1/2013)، على مرور العالم، عام 2013، في «مرحلة انتقالية لم تعرف الإنسانية لها مثيلاً». وخلاصة التقرير ان الولايات المتحدة تتجه نحو الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة، وأن مؤشرات المنعطف كثيرة، منها انخفاض كلفة فك شيفرة الجينوم البشري 3 ملايين مرة؛ وارتقاء الصين الى مرتبة اكبر سوق في العالم؛ واستقطاب آسيا الشطر الاكبر من طلاب العالم؛ وظهور آثار الاحتباس الحراري والانتاج الزراعي؛ وتفاقم أزمة الصحف والمجلات الورقية والنمو المضطرد للاقتصاد الافريقي والإقبال على الاتصــــال بالانترنت بواسطة الهواتف الذكية التي يتــــوقع أن تبلغ مبيعاتها بليون هاتف في 2013، وصناعة اجهزة الكومبيوتر الثابتة... وسبق صدور التقرير اعلان الرئيس الأميركي باراك أوبــــاما «استدارة» بلاده الى المحيط الهادئ. وعرض التقرير مسوّغات هذه الاستدارة التي حملت نذر تغير وجه العالم الجيو-سياسي، وأزف خــــبر مشارفة اميركا على بلوغ عتبة الاكتفاء النفطي في 2030 مع استخراج الغاز الصـــخري والنفط القاري ونزول منطقة الشرق الاوســـط عن عرش اكبر مستودع احتياط نفطي فــــي العالم. ولم تُخفَ على المراقبين مترتبات سعي بكين الى زيادة قدراتها العسكرية لحماية الطرق البحرية التي تصلها بشبه الجزيرة العربية، من طريق تطويرها المرافئ في سريلانكا وباكستان وجزر المالديف وجزر السيشيل.

وشهد 2013 توسّع رقعة حركات الاحتجاج الاجتــــماعي التي انطلقت شرارتها في تونس عام 2010، الى البرازيل وتركيا وأوكرانيا. وعلى رغم أوجه الاختلاف بين حركات الاحتجاج هذه، بــدا أن الديموقراطيات الطرية العود أمام امتحان مســــاءلة الشعب الرؤساء المنتخبين وتقييدهم باحتــــساب رأيه ومصالحه. ولعل ما قالته نيلوفير غول («لوموند» 7/6/2013) في الأتراك يصح في البرازيليين وغيرهم: فـ «المواطن التركي (أو البرازيلي) الذي استخف الازدهار الاقتصادي، في خطواته الاولى، حماسته، حمله الإفراط في الاستهلاك البيئي والمديني وتدمير الاطار الاجتماعي، على التحفظ والمراجعة الناقدة».

تفكك دول عربية
وبدا، بعد عامين على «الربيع العربي»، أن عقد الدول العربية في الشرق الأوسط ينفرط، فهي تتفكك وتتذرر (بيار وسلان «لوفيغارو» 7/2/2013). فأوصال سورية تقطعت، وأعداد الميليشيات تتكاثر في ليبيا، وأنشأ مقاتلو «القاعدة» ملاذات آمنة لهم في الشرق الليبي، وقبائل الجنوب أرست حكماً ذاتياً فيما طرابلس لم تعد تمسك بمقاليد البلاد.

وتـــعاظم فقـــدان السلطة المركزية المصرية سيطرتها على سيناء وتعذّر عليها فرض حظر تجـــول في بور سعيد والاسماعيلية. وسعت فرنسا في إحياء سلطة الدولة في مالي إثر انهيارها.

وشهر بعد شهر على وقع كر سبحة العام الجاري، خبت المقارنات بين حربي القرن العشـــرين وبــــين القرن الواحد والعشرين. وفي الشهر الجاري، عاد الكلام عن الحرب العالمية الاولى إثر التوتر بين الصين واليابان، وحذر مراقبون وصحافيون (في «نيويورك تايمز» الأميركية و «فايننشال تايمز» البريطانية و «لكسبريس» الفرنسية) من انزلاق البلدين الى حرب تطلق شرارة حرب عالمية ثالثة مع انحياز الولايات المتحدة الى حلفائها في المنطقة، اي طوكيو وسيول وتايوان.

وعلى رغم انتهاج اوباما «استراتيجية أحادية»، كما لاحظت نتالي نوغايريد، رئيسة تحرير صحيفة «لوموند»، (29/11/2013)، استفاق العالم على صورة عالم متصل، متشابك الخيوط ومتعدد الاقطاب. وبدا أن أوروبا التي تقلص موازنتها الدفاعية، سقطت من حسابات الرئيس الاميركي. فهو سعى الى التخفف من دور بلاده القيادي، وقلص مستوى دعم الدول الأوروبية في أعمالها العسكرية. ففوجئ الفرنسيون بموقف البيت الأبيض المتنصل من مؤازرتهم إبان تدخل قواتهم في مالي. وفي وقت اول، لم يهب اوباما الى دعم باريس، بل عرض تأجير طائرة شحن من طراز «سي 17» بـ50 ألف دولار في الساعة، وأشار الى عقبات قانونية تحول دون ارسال طائرات لتزويد المقاتلات الفرنسية وقوداً في الجو (فيليب ستيفنز، «فايننشال تايمز»، 7/2/2013)».

وبدا أن كفة روسيا العسكرية ترجّح إثر اتساع الهوة بينها وبين اوروبا المنكفئة عسكرياً، ما خلا فرنسا. فأوباما «تخلى عن أوروبا الوسطى» منذ ولايته الأولى، ولم تعد هذه المنطقة شاغل واشنطن، «ولم يعضد الرئيس الأميركي الحلفاء الأوروبيين في الحؤول دون وقوع أوكرانيا في شباك روسيا» (لوموند، 29/11/2013). وبادرت بكين الى «جس نبض» أميركا وامتحان عزمها على حماية حلفائها في منطقة آسيا – المحيط الهادئ. والقول ان واشنطن تخلت عن أوروبا الوسطى يفتقر الى الدقة. فهي سارعت الى اعلان مواصلة مشروع الدرع الصاروخية في ذروة تنازع اوكرانيا بين الاتحاد الاوروبي وروسيا. ويبدو أن اميركا أوباما التزمت سياسة دعم فاتر لأوروبا.

وتزامن قرار واشنطن العدول عن توجيه ضربة جوية الى مواقع النظام السوري جراء استخدامه الواسع للسلاح الكيماوي وانتهاكه «الخط الاحمر» الاميركي، مع المبادرة الى مفاوضات سرية مع مستشاري المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي حول الملف النووي الشائك. فـ 2013 هو كذلك ذكرى عقد على بدء المفاوضات مع ايران حول برنامجها النووي. وفي مطلع 2013، وصفت المفاوضات بـ «العقيمة» (فرانسوا جيرّي، «لوموند» في 2/1/2013)، لكنها تكللت في ختامه باتفاق مرحلي.

وأحادية الرئيس الاميركي، على خلاف أحادية سلفه جورج دبليو بوش، لا تتوسل القوة العسكرية أداة لتغيير الأنظمة والنزول على مصالح بلاده، بل تلوح بهذه القوة لانتزاع تنازلات وحماية مصالح الأمن القومي الأميركي، على نحو ما حصل لدى إلغاء ضرب سورية والتنسيق مع الروس لنزع سلاحها الكيماوي. لكن جر إيران الى مفاوضات وراء الأبواب المغلقة لم يكن ممكناً من غير تضييق خناق العقوبات عليها. ودور بريطانيا وفرنسا كان راجحاً في إحكام قيد العقوبات (نتالي نوغايريد، «لوموند»). فلا غنى عن الدور الاوروبي، على رغم أن «أحادية» أوباما لم تقم وزناً للحلفاء الأوروبيين حين بادرت الى صفقة ثنائية.

وصــــارت الصفقــــــة هذه مع الروس والسوريين علامة «الأحادية» الاميركية الجديدة التي، على رغـــم انها لم تشن حرباً بمعزل عن مجلس الأمن، أبرمت صفقة بمعزل عن مصالح حلفائها في أوروبا والشرق الأوسط ومن غير استشارتهم والتنسيق معهم. ففوجئت باريس بإلغاء الضربة ضد نظام الأسد. و «التخلي» الامــــيركي عـــن الحلفاء أملاه، على الارجح، ترجيح واشنطن كفة النهج الواقعي الذي يولي الاولوية لمصالح امنها القومي والإقرار بما خلص اليه بيار روسلان («لوفيغارو» 7/2/2013) قبل اشهر، أي بأن «الأسد لم يعد سوى زعيم ميليشيا من المـــيليشيات المنتشرة في سورية ولو كان لا يزال علــــى رأس جيش قوي ومرعب يضمن بقاءه على سدة السلطة. والضربة، في مثل هذه الحال، لم تكن لترسي نظاماً بديلاً يتسلم مقاليد السلطة في ســــورية المشرذمة والمقطعة الأوصال، في وقت يتــعذر رص صفوف المعارضة وتقويض نفـــوذ ميليشيات النظام والميليشيات الإسلاموية والعصابات الإجرامية. وفي ختام العـــام، بدا أن تيار المُثل والمبادئ الانسانية في السياسة الخارجية الاميركية انكفأ، وأن مبدأ «مسؤولية الحماية» الأممي سقط في غياهب النسيان.

بقلم : منال نحاس