orientpro

عهد الشرق


سحر الشرق

إقامة نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط

(3)

كل يوم يمر تزداد فيه ثقة الرئيس باراك أوباما بصواب السياسة الخارجية الجديدة التي تبنتها إدارته . أقصد السياسة التى نقلت بؤرة التركيز الدبلوماسي والعسكري للولايات المتحدة من الغرب الأطلسي و"الغرب" الشرق أوسطي إلى الشرق الباسيفيكي، خاصة شرق آسيا .
لفت انتباهنا وآخرين في الآونة الأخيرة الزيادة المتصاعدة في وتيرة وحماسة دعم الرأي العام للتوجهات الجديدة للسياسة الأمريكية . لاحظنا أيضاً كيف أن دولاً عدة في الغرب والشرق الأوسط استعدت لتنفيذ تغيير مماثل في استراتيجيتها الإقليمية والدولية . لقد أصبحت الترتيبات اللازمة لتدريب كوادر دبلوماسية واستخباراتية على العمل في شرق آسيا موضوعاً يحتل الأولوية في خطط كثير من دول أمريكا اللاتينية وأوروبا، وتشير المتابعة المنتظمة والقراءة المتأنية في تقارير دبلوماسية ودراسات أكاديمية في بلدان كثيرة إلى أن قضية تبديل بؤر النشاط الدبلوماسي الدولي من مجالاته التقليدية في الغرب أصبحت الشغل الشاغل لدارسي العلاقات الدولية وممارسيها .
تتعاقب الأحداث العالمية في اتجاهات، بعضها فاجأ علماء العلاقات الدولية وصانعي الرأي، وأغلبها أذهل لغرابته صانعي السياسة في دول كثيرة ومسؤولين في مؤسسات دولية ومديري شركات عالمية . تبرز أمامنا بوجه خاص ثلاثة تطورات استمرت تؤكد نوايا أطراف دولية ليست قليلة العدد مواصلة مسيرة التحول نحو الشرق . هذه التطورات هي:
أولاً: بشكل غير متوقع وبإقبال وحماسة، أبدى الرأي العام الأمريكي، بل والعالمي، رضاه ثم دعمه للاتفاق المبدئي الذي توصلت إليه إيران، الدولة التي اختارت أن تتحدى الوضع القائم في النظام الدولي مع الولايات المتحدة كمفاوض أساسي وقوة ملموسة مدعومة من الغرب كجماعة سياسية وكتلة حضارية . كانت بادية بوضوح خلال الشهور الأخيرة مؤشرات توحي بأن أمريكا تبذل ضغوطاً قوية وجهوداً فائقة لمنع "إسرائيل" من تصعيد صراعها مع إيران، وللعمل على تحجيم هيمنتها على الكونغرس والرأي العام الأمريكي ومؤسسات الاتحاد الأوروبي . كان واضحاً أن إدارة الرئيس أوباما تحاول بكل الطرق إجهاض خطة "إسرائيل" لفرض الحل العسكري في قضية النووي الإيراني . أظن أن النجاح النسبي الذى حققته أمريكا في هذا الصدد، وأقصد كسر حدة التهور "الإسرائيلي" وتحرير يد أمريكا في التصرف في المفاوضات مع إيران، قدم دعماً ملموساً لترتيبات خطة الانسحاب المنظم والمنتظم للقوة العسكرية الأمريكية من أوروبا الغربية والشرق الأوسط .
ثانياً: تصادف أنه في الوقت الذي بدأت فيه الولايات المتحدة الاستعدادات لنقل بؤرة التركيز الاستراتيجي إلى شرق آسيا، كانت تجري بهدوء وبتدرج عملية أخرى في الشرق الأوسط هدفها نقل بؤرة تركيز استراتيجيات النفط في الدول والشركات المنتجة والناقلة والمصارف المحولة، من موقعها في الغرب ومضايق بحار المتوسط والأسود والأحمر إلى مواقع ومضايق جديدة في أقصى الشرق .
يطلق أنطوني كوردسمان، الخبير ذائع الصيت في شؤون الخليج والاستراتيجيات الاقتصادية والعسكرية، على هذه العملية، عبارة "التحول الآخر" نحو آسيا، باعتبار أن التحول الأول كان أمريكياً وسياسياً وعسكرياً . انشغلنا به طويلاً .
قضينا الشهور الماضية نتابع عملية التحول الأمريكي من الغرب إلى الشرق ولم ننشغل كفاية بالتحول الحادث فعلاً، أيضاً من الغرب إلى الشرق، في نظام النفط والغاز وكافة اقتصاداته وتوابعه .
يقول كوردسمان إنه يتوقع زيادة مفاجئة وكبيرة في درجة اعتماد الصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان على نفط الشرق الأوسط، في وقت تقترب فيه الولايات المتحدة من تحقيق الاكتفاء الذاتي في هذا القطاع، وفي وقت يعرف الجميع أن الطلب الأوروبي على النفط والغاز لن يزداد كثيراً، بمعنى آخر آن آسيا، وليس أمريكا أو أوروبا، ستهيمن على الطلب على النفط بكل أنواعه .
وينقل كوردسمان عن تقرير جديد لوكالة الطاقة الأمريكية مؤشرات تتوقع أن يزداد استهلاك النفط في الفترة من 2010 إلى 2040 بنحو 3 .19 مليون برميل يومياً، يخص الصين وحدها ب 5 .10 مليون برميل، ويخص الهند ب 5 ملايين برميل .
ولما كانت الصين تنتقل تدريجياً إلى اقتصاد خدمات يصير متوقعاً أن يزداد الطلب فيها على النفوط السائلة لتحل محل الولايات المتحدة كأكبر سوق مستهلكة للنفط المستخدم في النقل والمواصلات، بينما تبقى الهند مستوردة بكثافة للديزل لخدمة الزراعة .
كما ينقل كوردسمان عن وكالة الطاقة الأوروبية مؤشرات تؤكد ما ذهبت إليه الوكالة الأمريكية، جاء في أحدها أن الصين سوف تزيد طلبها على النفط بنسبة 66% خلال الفترة المتبقية حتى ،2030 وكذلك الهند التي سوف يزداد اعتمادها على النفط المستورد بنسبة 100% .
ولا تغيب عن الذهن الأهمية المتزايدة للغاز المستخرج من حقول إيران، فإيران حسب تقديرات الغرب تختزن في أرضها وقرب شواطئها ثاني أكبر احتياطي للغاز في العالم .
بمعنى آخر، وهو المعنى الذي يستحق أن يحظى باهتمام المسؤولين عن صنع السياسة الخارجية المصرية والمسؤولين في دول عربية أخرى، يمكن فهم "التحول" نحو آسيا عموماً وشرق آسيا خصوصاً، على أساس أنه عملية مزدوجة تكاد، من وجهة نظري، تتشابه مع عملية توزيع أنصبة الاستعمار في مطلع القرن العشرين، حين كان النفط وعائداته معلماً أساسياً في كل الأقطار التي انشغل الغرب بوضعها وتحديد حدودها على الخريطة الجديدة التي كان يجري رسمها في ذلك الحين .
ثالثاً: بالتزامن مع الإعلان عن اتفاق الغرب وإيران على التزامات مبدئية على الطريق لتسوية، وربما لتسويات شاملة في الشرق الأوسط، أصدرت الصين إعلاناً يقرر حدود منطقة الدفاع البحري الصينية فوق بحر الصين الشرقي . المعروف أن جزيرتين صخريتين تقعان في هذا البحر تختلف الصين واليابان حول ملكيتهما وتثير بينهما جدلاً وتوتراً متقطعاً . طلبت الصين في إعلانها ضرورة اخطارها مسبقاً بالرحلات البحرية مدنية كانت أم عسكرية ، التي تمر في أجواء المنطقة . احتجت اليابان وكوريا والولايات المتحدة وكلها أمرت طياريها بعدم الانصياع لتعليمات تصدرها القيادة العسكرية الصينية .
درجت الصين على أن تشن بين الحين والآخر حملة قومية بهدف تعبئة الشعب وراء قيادته، وبخاصة إذا كانت جديدة . في كل مرة كانت الحملة تستهدف اليابان المتهمة دائماً بأنها عاملت الصينيين أثناء احتلالها لبلادهم قبل وخلال الحرب العالمية الأولى معاملة مهينة . الأهم في هذا الشأن أنها، أي اليابان، كانت ترفض بإصرار الاعتذار الصريح عن أفعالها أو حتى الاعتراف بها . تكرر الموقف خلال الاسابيع الأخيرة بمناسبة احتفالات في اليابان تذكر بأمجادها الخارجية، وبمناسبة زيارة مفاجئة قام بها رئيس الصين لموقع من المواقع التاريخية المشهود لها بأن سكانها تعرضوا للإهانة على أيدي اليابانيين .
تريد اليابان، كغيرها من دول شرق وجنوب شرق آسيا، التلويح لأمريكا بضرورة الإسراع في نقل اهتمامها إلى آسيا قبل ان يستقر الأمر للصين كقوة إقليمية مهيمنة، وتريد الصين أن تبلغ أمريكا أنها لن تنتظر انتقالها أو نقل اهتمامها إلى شرق آسيا، فالمؤشرات جميعها والتاريخ أيضاً في صفها .

بقلم : جميل مطر