orientpro

عهد الشرق


 

 

 

 

شكسبير على حق

الجزء الثاني

الفقرة الثانية

” من كان لا شيئاً – سيصبح كل شيء ”*

في صباح اليوم التالي, التقى مبعوث الخارجية السوفيتية بالرئيس علي عبد الله صالح في مكتبة في قصر الرئاسة ، اخذ هذا اللقاء طابع رسمي.

شاهدنا موقف كاريكاتوري غريب من نوعه, حيث جلس الرجل النحيف, ذات القامة القصيرة على كرسي ضخم جدا فاخر ,كما يبدوا لنا ان الكرسي لأول مرة دخل القصر, أم كان في مكان آخر, تم جلبه إلى هنا قبل دقائق , لأنه جديد جدا , الرجل كان يغوص تدريجيا في الكرسي الكبير جدرا, الكرسي بهذا الشكل والحجم تم شرائه كرمز للسلطة الجديدة في اليمن الشمالي , تمشيا مع تقاليد الإمامة , حيث يحتفلوا بعيد الجلوس كل عام , أي يجب ان يكون الكرسي غالي وفاخر, لأنه أهم من من يجلس علية .
اما الرئيس كان يرتدي ملابس جديدة أيضا ولكن رخيصة جدا , رمادية اللون , السترة ذات تصميم أوروبي, ولكن رديء جدا لأنه محلي , أما البنطلون كان واسع جدا حتى انه يشبه "التنورة" النسائية من البنطلون الرجالي .

http://eo.wikipedia.org/wiki/Mi%C4%A5ail_Bulgakov

الضمير يحك الرئيس من الداخل والخارج

كان صالح , كل الوقت, في مكتبه ,مارس نشاط " مازوخي" بأظافر أصابعه, بشكل غريب يهرش نفسه , كانت تصدر من أظافرة أصوات تثير الاشمئزاز في النفس وتثير الشفقة .
الحك بدأ من اليد تدريجيا وصل إلى البطن , هناك استمر الحك بدون انقطاع لمدة لا تقل عن دقيقتين , ثم انتقل إلى الأكتاف حتى الظهر , كما يبدوا لنا , ان الرئيس يعاني من مرض نفسي "الساد ماسوشية ", لأنه لا يستطيع ان يسيطر على أفعاله حتى ثانية واحدة , مارس هو هذا النشاط القبيح أمامنا , يشبه شيء من الأكروبات , خاصة عندما حاول تمديد يديه لحك ظهره , لأنه أصبح مسموع صوت أظافره في كل أنحاء المكتب بشكل" كاميدي تراجيدي" .
كما يبدوا لنا انه بعاني قلق نفسي شديد من الجنوبيين وربما الضمير يأكله طولا وعرضا بلا رحمة, رغم شكنا في يمكن له ضمير .

صالح لم يخجل - مثل  شاريكوف**- من ممارست الحك  "المازوخي" إمامنا,  كأنه حيوان مريض.
ذكرنا  هذا الحدث بكتاب- قلب الكلب - للكاتب الروسي المشهور "ميخائيل بولغاكوف" , لأنه بدا في الحك و الهرش  تحت الإبط  بشكل عنيف و هستيري , بل استمر إلى عمق الظهر و أماكن أخرى  غير لائقة أبدا, كرئيس دولة ...
انها حالة مزرية  لا يمكن تفسيرها , ولكن نستعير هذه السطور من "بولغاكوت " ان الرغبة الجامحة في الوصول الى  السلطة تحرر تلك  الغرائز الأكثر انحطاطا لدى  بعض الأشخاص ,  شخصيات غير متعلمة وغير مثقفين وبلا أخلاق بل لا يملكون أي ضمير  , أفعالهم الشنيعة تمنحهم  غاية الإحساس بالمتعة,  انهم  يمارسون  اشد أنواع  الاستبداد  بالناس  و بمصائرهم  , ليس فقط البسطاء بل حتى على الأذكياء والمثقفين والعقلاء ", هؤلائي  الأشخاص مثل الثعبان  يغيرون جلدهم , ويتلونون مثل الحرباء ,للوصول الى  مبتغاهم, صالح من النوع هذه  الشخصيات ,  أمس كان فقير مدقع  اليوم رئيس , ولكن هل سيجلب السعادة لأحد الطريقة التي وصل بها الى السلطة  ؟! .

لا ننسى نتذكر هنا,  كيف انحرفت الثورة الاشتراكية من أهدافها السامية ,  بسبب انتهاج سياسة العنف " ان العنف لن يولد إلا العنف" للأسف الكثيرين-الطغاة - لا يتعلمون من التاريخ , يكرروا أخطاء ظاهرة للعين مثل الشمس .

 الآن,  أمامنا نموذج رائع, كيف ان الضمير يحك الإنسان  ليلا ونهارا لقتل رئيسيين بشكل متتالي , من اجل ان يقعد  هو على هذا الكرسي كبير جدا, كرسي لا يتناسب مع  ضميره قبل كل شيء.

 من الواضح ان الرئيس صالح في حالة رعب وخوف من كل شخص  يقترب منه, الحك والهرش الذي يمارسه  صالح  ما هو إلا  شكل من  أشكال  الرعب .
صالح يواصل حك  نفسه بشراهة,  لا يراعي  لأي أنواع  من احترام الذات ,  هو, كان يجرى الحديث معنا  بالطريقة الشرقية , حيث سأل عن صحة الأخ العزيز بريجنيف , وكدا أيضا عن الإخوة الأعزاء من القادة السوفييت , بالمقابل الوفد أيضا التزم بالتقاليد اللعبة  كيف أحوال... الخ 
بعد ذلك الرئيس صالح قام بحك ظهره بأظافره بصوت مسموع , عيونه كانت حمراء وبارزة بشكل ملحوظ , دليل انه لا ينام بشكل جيد منذ ان وصل الى الكرسي ، توقف هو من الحك لمدة قصيرة جدا و بدء من جديد الحديث عن صحة القادة السوفيت, لإظهار للضيوف السوفيت مدى حبه لهم و صدق مشاعره .
وكذا قام بالنيابة عن الشعب,  في تقديم الحب والصداقة للشعب السوفيتي, وأكد على العلاقات القديمة بين الدولتان العظيمتان.
وفي اللحظة الحساسة في الحوار قال الرئيس للأصنج : احضر لي سيجارة, فذهب وزير الخارجية ***  بينما كان غائبًا وزير الخارجية , واصل الرئيس التشدق ان الحكومة اليمنية العريقة, تهدف إلى توطيد أواصر  الصداقة ...
 ثم بدون تغيير لهجة ولكن لا زال مستمر في الهرش قال:  يريد الحديث بشكل واسع ومفصل في هذا الموضوع مساء اليوم .
السفير السوفيتي في صنعاء تقرب مني وهمس بصوت منخفض جدا قائلا ً: هل فهمت ؟
 محرك حوا جبة  إلى الأعلى , في مساء اليوم  سوف يكون اللقاء الهام , بل هو الرسمي بالنسبة  للرئيس من  الآن , هل فهمت؟ لقد أرسل الوزير للسيجارة لأنه من الجنوب, هل فهمت؟
صالح, كان في حالة انزعاج, عندما تحدث السفير بالروسية بالغمز والهمز, ربما خطر ببالة ان السفير يحاول عرقلة اللقاء السري، لقد سيطر على الموقف صمت قاتل لعدة ثواني.
كسر هذا الصمت القاتل عندما قال المندوب :
حسنا! أنا في انتظاركم في الفندق..
انتهى هنا اللقاء مع الرئيس مباشرة ، لانه عاد وزير الخارجية يحمل بيديه سيجارة, نحن غادرنا القصر.


*استخدم عنوان هذه الفقرة, هي  وردت في  احد كتب "قلب الكلب" للكاتب الروسي "ميخائيل بولغاكف" , نجد أنه توجد مقارنة بين الدبلوماسي و الكاتب المشهور , فالدبلوماسي  تنبأ ما سيفعل باليمن عصابة " صالح و عبد الله الأحمر وأولاده " , مثلما  تنبأ "بولغاكف" ماذا سيفعلون بروسيا القيصرية  عصابة" لينين وستالين".
 ظل الكاتب مضطهد و كذا مؤلفاته ما بقارب مئة عام  , خرج إلى النور في بداية عهد "جورباتشوف" , بدا إنتاج الفلم  الروائي  "قلب الكلب" في فترة حكم بريجنيف 1964- 1982, لكن منع عرضه , وتم السماح  بعرض  الفلم في عام 1988 في عهد "جورباتشوف" , " بوتين" لو كان بإمكانه لمنع عرضة.

http://en.wikipedia.org/wiki/The_Master_and_Margarita

أتذكر جيدا في ذلك اليوم من عام 1988,  ما يقارب الساعة 00-21, خلت تقريبا  كل شوارع مدن الاتحاد السوفيتي الكبرى من البشر, طبعا موسكو لم تخلى الشوارع فقط , إنما المطاعم والمستودعات التجارية والمواصلات , الجميع أمام التلفيزيون , لمدة ساعتين,  لأول مرة شاهدوا- ما يقارب 300 مليون مواطن- فلم  "قلب الكلب ", في اليوم  التالي  تحولت مقاطع من الفلم على شفاه الجميع إلى عبارات رنانة ومميزة , لما فيها من تأثير قوي على المواطنين السوفيت, كانت صدمة قوية , لان الفلم كشف أن الإنسان الجاهل عندما يمتلك القوة و السلاح يكشف عن غرائزه ألحيوانه  الحقيقة المنحطة , بطل الفلم "شاريكف" اقرب لشخصية  صالح في كثير من الأشياء  , لان الكاتب استعار عنوان الفقرة بهذا الشكل " من كان لا شيئاً – سيصبح كل شيء " عندما شاهد  ذلك الكرسي الضخم جدا الجديد في مكتب رئيس الجمهورية الذي  لا يتناسب مع شخصية صالح إطلاقا .

**

http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%82%D9%84%D8%A8_%D9%83%D9%84%D8%A8

*** عبد الله عبد المجيد الأصنج
وزير الخارجية في الحكومة التي شكّلها الفريق (حسن العمري) عام  1971م، ثم وزير الاقتصاد في نفس العام، ثم أمين عام الاتحاد اليمني في مدينة صنعاء عام  1972م، ثم أعيد تعيينه وزيرًا للاقتصاد في نفس العام، ثم أعيد تعيينه وزير الخارجية للمرة الثانية عام  1974م، ثم وزيرًا للمواصلات في نفس العام، ثم وزيراللخارجية للمرة الثالثة عام  1975م، ثم أعيد تعيينه في نفس المنصب للمرة الرابعة عام  1977م، كما تعين عضوًا في المكتب الاستشاري، ومستشارًا سياسيًّا لكل من الرئيسين: )إبراهيم محمد الحمدي)، و(علي عبدالله صالح ).

الكاتب : عرفت بان صالح اعتقل وزير خارجيته "عبد الله الأصنج " بعد 3 سنوات من ذلك اللقاء , تم نفيه إلى خارج اليمن.        

http://www.orientpro.net/arab/orientpro-%20arab%20-288.html