orientpro

عهد الشرق


إنه التاريخ إذ يعيد نفسه

السعودية وايران والصراع الطائفي المقيت
(7)

الانقسام الطوائفي الواضح والفظيع الذي يكاد يطبع حالياً علاقات القوى الاجتماعية المتنافرة في معظم بلدان عالمنا العربي، يعيد إلى الأذهان الحال الذي كان عليه العرب والمسلمون في القرنين التاسع والعاشر الميلاديين . في ذلك الوقت اصطرعت الطوائف واحتربت .
في القرن العاشر الميلادي امتلك الإسماعيليون من القوة ما جعلهم يسيطرون ويحكمون الشمال الإفريقي بأكمله، حيث أعلنوا عن قيام دولتهم الناشئة تحت اسم "الدولة الفاطمية" التي لم تقف عند حدود الشمال الافريقي وإنما امتدت لتشمل سوريا في الشام والحجاز في شبه الجزيرة العربية . ولم يفلت من قبضتهم سوى العراق وإيران، حيث كان العراق تحت سيطرة الدولة العباسية في بغداد، في حين كانت إيران تحت سيطرة الدولة السلجوقية . أما الدولة الحمدانية فقد حكمت حلب والموصل وامتد نفوذها إلى بلدان وقرى الفرات والشام خلال الفترة من 890م إلى ،1004 قبل أن تنهار على أيدي الفاطميين . وهناك البويهيون الذين ينحدرون، كما تذكر المصادر التاريخية، من سلالة الديلم (جنوب بحر الخزر) والذين أقاموا، هم أيضاً، دولتهم الطائفية "الدولة البويهية" في غرب إيران والعراق على مدار الفترة الممتدة من 932 إلى 1062م قبل أن يقضي عليها السلاجقة .
فهل نقول ما أشبه الليلة بالبارحة؟
إذا ما توسلنا التجرُّد والموضوعية، وفي حال جاء هذا التجرد والموضوعية خلواً من أية عواطف أو مداورة أومداهنة، نقول نعم هو كذلك، فحال الانقسام الطوائفي الذي وصل فعلاً، بعد أن كان قصراً على القول، إلى مرحلة الاحتراب والتقاتل التدميري والالغائي البشع، قد بلغ أعلى درجات الخطر الماحق الذي تُضاء عادةً خلاله الاشارات الحمراء إيذاناً بدنو أجل وقوع الكوارث، خصوصاً وأن نذر الشؤم أكثر تحليقاً وتخييماً في سماء ملبدة كلها بالغيوم السوداء، من بوادر انقشاع غمتها بدفع من مبادرات جدية وحثيثة لتقويض أسس بواعثها .
بل على العكس من ذلك، فالحادث على أرض الواقع، هو تقاطع وتداخل عمل التشكيلات التكفيرية مع "الأنشطة الحيوية" لبعض الأجهزة الأمنية العاملة دوماً على الحيلولة دون حدوث استقرار مستدام في الحياة السياسية والاجتماعية العربية . وهذه إحدى السمات الخطرة التي تميز الظاهرة الارهابية بنسختها "المتطورة" إيغالاً سافراً في التوحش والهمجية .
قبل أيام نقلت صحيفة "الأهرام" المصرية (4 أكتوبر/ تشرين الأول 2013)، ادعاءات أدلى بها للقناة السابعة "الإسرائيلية" عاموس يدلين، الجنرال "الإسرائيلي" في الاحتياط والرئيس السابق لشعبة المخابرات العسكرية (أمان) والرئيس الحالي لمعهد دراسات أبحاث الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب، المرتبط عضوياً بالمؤسستين الأمنية والسياسية في "إسرائيل"، زعم فيها أن شعبة الاستخبارات العسكرية "الإسرائيلية" اخترقت عدداً من الدول العربية من أبرزها مصر وتونس والمغرب والعراق والسودان واليمن ولبنان وإيران وليبيا وفلسطين وسوريا، وأنها تمكنت من نشر شبكات جمع معلومات في تونس قادرة على التأثير السلبي أو الإيجابي في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في هذه البلاد، إضافة إلى ليبيا والمغرب . واعتبر يدلين أن مصر هي الملعب الأكثر نشاطاً ل"إسرائيل"، لافتاً إلى أن العمل تطور حسب المخطط المرسوم منذ عام ،1979 حيث تم إحداث اختراقات سياسية وأمنية واقتصادية وعسكرية في أكثر من موقع، على حد زعمه، بما شمل ذلك تصعيد التوتر والاحتقان الطائفي والاجتماعي لتوليد بيئة متصارعة متوترة دائماً ومنقسمة إلى أكثر من شطر، في سبيل تعميق حالة العداء داخل المجتمع المصري .
ورغم أنه من الصعب أخذ هذه التبجحات على علاتها من دون تمحيص وتدقيق، إلا أنها بالتأكيد تتمتع بصدقية أكبر من الفرضيات والتكهنات المبنية على شكوك تُقارب اليقين - ليست من دون أساس - بشأن قيام مختلف أفرع أجهزة المخابرات "الإسرائيلية"، بتنفيذ عمليات استخبارية سرية داخل البلدان العربية المستهدفة، بهدف تقويض أمنها الاقتصادي باستخدام أدوات التخريب الاقتصادي المختلفة ومنها الرشا وعمليات غسل الأموال والمضاربات المفتعلة في أسواق القطع الأجنبي (أسواق العملة) وأسواق الأوراق المالية خصوصاً، وأمنها الاجتماعي، وذلك بإيقاظ و"تثوير" العصبيات النائمة وإيقاد أوار نيرانها .
أيضاً، ومن دون التهوين مطلقاً من شأن العامل الخارجي في إطلاق العصبيات النائمة من قمقمها، فإن العوامل الداخلية تبقى الحاضنة البيئية الأولى التي مكنت هذه العصبيات القديمة لكي تسفر عن وجهها بكل جرأة ووقاحة . فلولا التغذية المنتظمة التي تحصل عليها لكان حظها من النجاح في تخريب بنية المجتمعات العربية ضئيلاً للغاية . وهذه هي المفارقة التي تبعث على الحيرة والدهشة!

بقلم : محمد الصياد