orientpro

عهد الشرق


جزين: بؤس التعايش... مسألة الجوار وبيع الأراضي و... وعد ميشال عون الخلاصيّ (2 من 2)

السعودية وايران والصراع الطائفي المقيت
(6)

بعد أن تناولت حلقة الأمس ماضي الاصطياف وحاضر القلق الطائفيّ والإقليميّ، هنا التتمة الأخيرة:

لا يستطيع الجزّينيّ، بسبب معاناته مع فائض الجغرافيا، أن يفكّر بنفسه إلّا من خلال جواره. والحال أنّ التاريخ هناك سخيّ في استعراض ما فعلته الجغرافيا، بدلالة المرارة والألم اللذين تذكّر بهما أحداث 1860، وهي التي كانت على وشك أن تتكرّر مع حرب الجبل في الثمانينات. وإذ يلوح الآن أنّ العلاقة بالدروز هادئة ومستقرّة، ترسم العلاقة بالسنّة والشيعة لوحات أعقد.

الجوار الصيداويّ
مدينة صيدا التي هي سوق الجزينيّين التجاريّة ومقصدهم الخدميّ كانت أيضاً مصدراً لبعض مصطافيهم، خصوصاً منهم الموظّفين وأبناء الطبقات الوسطى والدنيا. وهذا ما حمل الجزّينيّين تقليديّاً على رصد شهر رمضان بشيء من القلق: فإذا حلّ شتاءً كان الأمر بشيراً «لأنّهم سيصطافون عندنا»، وإذا حلّ صيفاً كان نذيراً.

هكذا، استلزمت مصلحة الطرفين وتجاورهما علاقة سويّة ومؤدّبة لا تسمو إلى صداقة ولا تنحطّ إلى عداوة. وبقيت هناك، بطبيعة الحال، استثناءات، كمودّة أفراد جزّينيّين لمعروف سعد، نائب صيدا الراحل، الذي كان يصطاف في بكاسين. وهو ما استؤنف، بمزيد من الطقوس والكلفة والبرودة، مع بهيّة الحريري، نائب صيدا الحاليّة، والتي تحرص على دعوة وجهاء جزّين إلى مناسباتها العامّة. وعلى العموم، لم ينقطع تبادل «الواجبات» الاجتماعيّة بين أفراد من هنا وآخرين من هناك.

لكنْ، في تلك الغضون، اهتزّت العلاقة اهتزازاً حادّاً في الثمانينات، مع الحرب في شرق صيدا وحواجز «القوّات اللبنانيّة» التي اضطهدت الصيداويّين وآذتهم من غير أن تستشير في ذلك الجزينيّين الذين دفعوا أكلافها لاحقاً. وكان مؤلماً، خصوصاً، هدم المجمّع الضخم، الطبّيّ والتعليميّ، الذي أنشأه رفيق الحريري في قرية كفر فالوس بذريعة أنّه مشروع لـ «أسلمة لبنان».

أمّا اليوم فلا يُخفي أهل جزّين، المرتاحون عموماً إلى صيدا، برمهم ببعض ما يصدر عنها، كـ «حركة» الشيخ أحمد الأسير التي ترتّب عليها، بين ما ترتّب، إرهاب موسم السياحة وإضعافه. «ذاك أنّ موسمنا، يبدأ في 20 حزيران (يونيو)، وفي الوقت نفسه بدأ الأسير حركته هذا العام». كذلك يلاحظ توني عازار أنّ موجة التديّن حدّت من صعود الصيداويّين «كي لا يُتّهموا في مدينتهم بأنهم يشربون عندنا».

لكنّ هذا لا يرقى إلى المشكلة المعقّدة المتّصلة ببيع الأراضي. فهنا، وحيال مخاوف الطوائف الضعيفة من الطوائف الأقوى، ينبغي نسيان كلّ القوانين المعروفة عن الرأسماليّة وسيولة البيع والشراء، وطي صفحة الدستور في ما خصّ حقّ اللبنانيّ، أيّ لبنانيّ، في التملّك في أيّة منطقة من لبنان.

ذاك أنّ الجزّينيّين الذين يأتيهم الخوف من تحت الأرض يخيفهم شراء الأرض في قضائهم. فقرية كفر جرّة، مثلاً، القريبة من صيدا «بيع معظمها وأقيمت فيه مجمّعات سكنيّة»، أمّا جائزة الترضية فجسّدتها تسمية الجامع الذي أقيم هناك «جامع عيسى بن مريم». وثمّة من يخشى أيضاً، وامتداداً لحركة الشراء الصيداويّة، أن يشتري فلسطينيّون من عين الحلوة أراضي في جزّين.

الجوار الجنوبيّ
ووفق الرواية الجزّينيّة اشترى علي تاج الدين، أحد متموّلي «حزب الله»، 5 ملايين متر مربّع أقام عليها 472 وحدة سكنيّة يسمّيها بعض الجزّينيّين «مستعمرات». وهذه تتخلّلها مراكز تجاريّة تضمّ مزارع دجاج ومصانع موادّ غذائيّة، ما نمّى بلدة كاملة «على أطرافنا، يسكنها شيعة من المناطق كافة حتّى بعلبك». وهنا أيضاً ثمّة جائزة ترضية، إذ إنّهم، وبأموال قطريّة، رمّموا كنيسة قرية القطران هناك. ويبدو أنّ حركة بيع الأراضي، التي اعترضت عليها بكركي، تلقى حذراً مشابهاً عند دروز الشوف، شمال جزّين، ممّن يشاطرون الجزّينيّين هواجسهم الأقلّيّة.

صحيح أنّ شراء الأرض الذي يهبّ من صيدا يفوق كمّاً مثيله الجنوبيّ والبقاعيّ، غير أنّ أموراً ثلاثة تجعل الشراء الشيعيّ أشدّ إقلاقاً للجزّينيّين.

فهو، أوّلاً، ذو بعد أمنيّ مباشر. ذاك أنّ «حزب الله» أنشأ مواقع عسكريّة له على تلال جزّين، فبات يمنع المزارعين هناك من قطف مواسمهم أو استصلاح أرضهم بحجّة عدم المساس بأمن المقاومة.

ووفق سيمون كرم، جعل «حزب الله» جزّين، منذ التحرير في 2000، قاعدة خلفيّة له، إلّا أنّه حوّلها، بعد حرب 2006، قاعدةً رئيسة، ما استوجب تمدّده على تخومها وصولاً إلى البقاع.

والشراء الشيعيّ، ثانياً، مكتفٍ بذاته، لا يؤدّي إلى أيّ اتّصال بالحياة الجزّينيّة وطرقها. وهذا يخالف الوضع في ما خصّ صيدا، حيث ثمّة مساحات مشتركة وعلاقات قد تتّسع وتضيق، بيد أنّها لا تختفي. فـ «حزب الله» الذي بات يتحكّم بالخيار الثقافيّ اليوميّ للشيعة وينشر الحسينيّات في قراهم، يغيب عن كلّ مناسبة يشتمّ أنّ فيها خمراً أو موسيقى وغناءً. وقد حدّثنا أحد الجزّينيّين عن محاولة لمدّ الجسور بعد حرب تمّوز، حيث أقيم احتفال بانتهاء الحرب وعودة الكثيرين من المهجّرين إلى قراهم في القضاء. لكنّ أحداً من «حزب الله» لم يحضر بسبب اشتمال الحفل على برنامج فنّيّ.

وأخيراً، هناك الحضور الشيعيّ في قضاء جزّين الذي يرفع، والحال على ما هي عليه، سويّة التوجّس. فثمّة، في القضاء، قرية سنّيّة وحيدة هي بنواتي، وبعض السنّة في قرية الجرمق، وكذلك قرية درزيّة لا غير هي السريرة، وبعض الدروز في قرية عاراي. بيد أنّ أكثر من نصف قرية روم الكبيرة شيعة، كذلك فاق الشيعة في كفرحونة المسيحيّين، بينما معظم عرمتى ومليخا من الشيعة أيضاً. وبذلك صار الشيعة خُمس الكتلة التصويتيّة في قضاء جزّين، متفوّقين على الروم الكاثوليك الذين تقلّصوا إلى سُدسها.

صحيح أنّ الذاكرة الجماعيّة للجزّينيّين لا تنطوي على عداء للشيعة. وفي الستينات، حين كان زعيم الشوف كمال جنبلاط متحالفاً مع زعيم صيدا معروف سعد، كان الجزّينيّون «يأخذون روحاً» بزعامة كامل الأسعد في الجنوب. وحتّى مع موسى الصدر الذي أثارت حركته بعض قلقهم، ظلّ الدفء يطبع العلاقة ويبدّد المخاوف. إلّا أنّ حقبة الاحتلال الإسرائيليّ ومضاعفاته أسّست أحقاداً وخلّفت ذيولاً نفسيّة حيال «حزب الله». وهذا ما لم يستطع ميشال عون، بتحالفه معه، أن يؤثّر فيه إلّا سطحيّاً، لا سيّما أنّ الامتدادات الاجتماعيّة لتحالف كهذا معدومة، لا يتيحها تكوين الحزب المغلق على أيديولوجيّته وطقوسه وعالمه المضادّ.

عون المخلّص
في ساحة جزّين تبدو صورة ميشال عون الأكبر بين صور قليلة لسياسيّين. فزعيم «التيّار» شكّل، في انتخابات 2009، لائحة مكتملة من مارونيّين وكاثوليكيّ اكتسحت المقاعد الثلاثة ومعها بلديّات القضاء. جاء هذا بعد مقاطعة الجزّينيّين الدورات الانتخابيّة السابقة، استجابةً لدعوة الكنيسة المارونيّة ثمّ اعتراضاً على القانون الانتخابيّ الذي ألحق جزّين المسيحيّة بالجنوب الشيعيّ.

هكذا، ووفق الياس قطّار، قضم «التيّار» الزعامات التقليديّة وبات يمثّل ما بين 60 و65 في المئة، معطياً الشباب المهمّش سياسيّاً بعض الثقل الملحوظ.

لكنْ، كيف أصبح عون ملك جزّين، على رغم تحالفه مع «حزب الله»؟

تجيب عن هذا السؤال أسباب منها البسيط ومنها الأكثر تعقيداً.

فعائلة عون كبيرة في جزّين، موزّعة على قرى عدّة، ومنها كان أسلاف ميشال عون قد انتقلوا إلى حارة حريك بعد مذابح 1860. ثمّ إنّ الأحزاب السيـاسـيّة، كما يشرح الزميل أنطوان الحاج، لم تقوَ مرّةً في البلدة ولم تتمكّن. فهي نمت نسبيّاً في قرى القضاء الصغرى، أو في العائلات الصغيرة للقرى الكبرى، ما لم يشكّل وزناً يعيق الصعود العونيّ اللاحق. وقد ضمّت العونيّة، في من ضمّت، مهاجري أوائل الستينات إلى ضواحي بيروت الشرقيّة في عين الرمانة وفرن الشباك والحدت، ممّن فرزوا، في حرب السنيتن، مقاتلين من بينهم يدافعون عن أحيائهم وشوارعهم أكثر ممّا ينشدّون إلى الأحزاب المسيحيّة المقاتلة. كذلك ضخّم العونيّةَ أنّ الأقليّة الكاثوليكيّة، في تماهيها مع الأكثريّة المارونيّة، تبنّت الدعوة الجديدة وتشدّدت فيها. وأصيبت عائلات التقليد السياسيّ بالوهن، وانتهت إمّا إلى انعدام الوريث أو إلى تعدّد الورثة وتطاحنهم. ولئن تمكّن الإعلام العونيّ، لا سيّما محطّة «أو تي في» غير المعروفة بالذيوع والانتشار، من أن تنتشر في جزّين تغطيةً وتوجيهاً، التفّ حول قائد الجيش السابق عدد من كبار المتموّلين في عدادهم غازي الحلو، شقيق رئيس البلديّة وليد الحلو، وعصام صوايا الذي صار نائباً، وشقيقه جاد، وأمل أبو زيد.

أبعد من ذلك أنّ دعوة «الجنرال» جاءت تستثمر مقت الجزّينيّين لـ «القوّات اللبنانيّة»، خصوصاً منهم المقيمين في بيروت. فهؤلاء لم ينسوا تهجير شرق صيدا ومردوده عليهم، ولا نسوا حواجز «القوّات» في المنطقة، في الثمانينات، بمضايقاتها للسكّان الذين تعوّدوا المكوث ساعتين أو ثلاثاً على الحاجز.

أهمّ ممّا عداه أنّ العونيّة استنطقت في الجزّينيّين ذمّيّةً سهّلها الاستضعاف المترتّب على الاحتلال الإسرائيليّ وعلى مقاومته، تماماً بمقدار ما أشاعت وهم الانتصار على تلك الذمّيّة. وهي سيرة تبدأ مع سيطرة نبيه برّي على قرار الجزّينيّين المهيضي الجناح وعلى تمثيلهم السياسيّ.

وكانت نيابة النائب السابق سمير عازار التعبير المحلّيّ عن «هيمنة برّي» التي اتّخذت أشكالاً عدّة. فمثلاً، حين انضمّ النائب الكاثوليكيّ نديم سالم إلى «لقاء مار روكز» المعارض في 1997، عاقبه الزعيم الشيعيّ باستبعاده عن لائحته. وفي انتخابات 2000 تضامن الجزّينيّون مع سـالم بأن أعـطوه 26 ألف صوت، لكنّ عشرات آلاف الأصوات الجنوبيّة، في ظلّ وحدة الدائرة، أسقطته.

ويرى إدمون رزق، في هذا المعنى، أنّ الالتفاف حول عون ردّ فعل على الأخطاء الكثيرة المرتكبة بحقّ الجزّينيّين. وعون، من هذا القبيل، لم يتكاسل في التركيز على نقطتين: أنّه «سيستردّ» جزّين بعدما أُخضعت لزعامة شيعيّة، وأنّه سيحميها بفعل تحالفه مع «حزب الله».

بيد أنّ النتائج لبست لبوس المفارقات. فصعود العونيّة رافقه التمدّد العسكريّ لـ «حزب الله» على تخوم جزّين. وهذا فضلاً عن أنّ وصاية برّي غير مكلفة، في ما خصّ طريقة الحياة، قياساً بمراعاة حزب الله. أمّا الذين أحلّهم عون محلّ سمير عازار فقليلون جدّاً من لا يقرّون بتفوّقه عليهم.

فعازار، ابن المحامي والسياسيّ إبراهيم عازار، أحد المعبّرين عن تقليد الاعتدال الجزّينيّ. هكذا، لم تحلْ بَرّيّته دون بنائه علاقات جيّدة مع جميع القوى السياسيّة، بمن فيها آل الحريري. غير أنّه مطّ هذا الاعتدال كثيراً في زمن التمدّد العسكريّ والسياسيّ الشيعيّ وتعثّر جزّين في إنتاج روايتها عن الاحتلال والمقاومة. هكذا، قايض موقعه التقليديّ في بلدته وتوفيره غطاءً مارونيّاً لبرّي بحصوله على خدمات لجزّين قدّمها «مجلس الجنوب»، كشقّ طريق صيدا – جزّين، وإقامة شبكات للماء والكهرباء، ودفع تعويضات للمتضرّرين الجزّينيّين في حرب لحد و «حزب الله».

أمّا النوّاب الحاليّون فكلّ كلام عنهم يعرّج على المشاحنات في ما بينهم. وهو ما يكمّله حال المجلس البلديّ لجزّين ولبلدات أخرى، حيث عجز الفائزون، وكلّهم عونيّ، عن الوفاء بتعهّدهم التزام مبدأ المداورة في ما بينهم. فوق هذا لا يزال صعود أولئك النوّاب أقرب إلى فورة انقلابيّة يُستعاض بها عن ضعف الركائز التي يستند إليها تمثيلهم. ذاك أنّ أحدهم، زياد أسود، مناضل عونيّ سابق ينتمي إلى إحدى أصغر العائلات التي لم تعش قبلاً في البلدة. أمّا ميشال الحلو، المحامي الثريّ، فيُستدلّ على برّانيّته في أنّ والده دُفن خارج جزّين، فيما الثالث، عصام صوايا، فـ «جديد على المنطقة»، عائلته محصورة في قرية كفر حونة.

وهم، إلى هذا، ردّوا على مبالغة عازار في الاعتدال بالمبالغة في التجرّؤ على الاعتدال. «فنحن ليس من عاداتنا شتم زعماء الجوار، ولا نملك هذا الترف أصلاً»، كما قال أحدّ الجزّينيّين. وهو ما تغيّر مع النوّاب العونيّين الذين يتهجّمون على الزعامتين الجنبلاطيّة والحريريّة في الشوف وصيدا، من دون أن ينتزعوا أيّ تنازل فعليّ من شقيقهم الحزبيّ الأكبر. فحين تُطرح مثلاً مسألة من بقوا في إسرائيل، يتكشّف الخلاص العونيّ عن عجز كامل.

ويتبدّى، على نحو موعى أو غير موعى، كأنّ التعلّق بعون، حليف «حزب الله»، ينطوي على لحظة تكفير عن ذنب «التعامل مع إسرائيل»، وطيّ لصفحة لحد واللحديّة. وهو ما وُصم به الجزّينيّون فيما حُرموا القدرة على تفنيده.

المكان المهجور
واليوم تلوح جزّين كئيبة، تكاد أن تكون مهجورة. فسنوات الاحتلال قطعتها عن بيروت وعن جيل من أبنائها نما خارجها. وإذ استقرّ باقي لبنان، مع الطائف، بقي الجنوب على حاله، بلا استثمار ولا مستثمرين. لكنْ، بعد 2001 عاد البعض إلى جزّين متفقّدين قراهم وبيوتهم، كما انتعشت حركة اصطياف أكثر منها إقامةً فعليّة على مدار العام. وعندما أتيح البناء بلا تراخيص، شهدت المنطقة فورة إعمار استمرّت حتّى الانفجار السياسيّ في 2005 الذي أخمدها.

وكان، ولا يزال، ما يضاعف الانقطاع تردّي التعليم. فهناك اليوم ثلاث ثانويّات فقط في القضاء كلّه، واحدة خاصّة واثنتان رسميّتان، علماً أنّ القضاء نفسه حضن 35 مدرسة رسميّة في 1974. ويقول أنطوان رزق إن الجزّينيّين يحضّون، من سنوات، جامعتي الروح القدس والأنطونيّة على إقامة فروع لهما في جزّين من دون جدوى. هذا فضلاً عن محدوديّة وسائل الترفيه للشبيبة، لا سيّما وقد جعل تحسّن الطرق الوصول إلى العاصمة أسهل كثيراً من قبل.

فالمقيمون في القضاء كلّه لا يتجاوزون شتاءً العشرين ألفاً، ولئن بلغ عدد مقترعي قرية قيتولي 2700 مقترع، فإنّ المقيمين فيها شتاء لا يتعّدون المئة. أمّا رئيس بلديّتها فؤاد الحاج فيحدّثنا عن تعاظم الهجرة إلى بيروت لأسباب شتّى، خصوصاً أنّ فرص العمل خفّت وأن هناك مدارس تقلّصت مع تراجع عدد السكّان. فتكميليّة قرية بكاسين مثلاً تضمّ 86 تلميذاً سوريّاً و10 تلامذة لبنانيّين.

وتعيش جزّين تقليديّاً على السياحة ومقلع الحجر والوظيفة الرسميّة، وعلى مواسم الزيت والصنوبر والتفّاح الذي تنتج منه حوالى 300 ألف صندوق سنويّاً، كان الجيش اللبنانيّ يشتري معظمها إلى أن توقّف في 2009. غير أنّ المواسم كلّها عانت آثار الوضع السياسيّ وانعكاسه على العبور والنقل، خصوصاً منذ اندلاع الثورة السوريّة. ولئن اعتادت البلديّة إقامة مهرجانات فنّيّة كلّ صيف، يحضرها خمسون ألفاً على مدى 20 يوماً، فهذا ما توقّف الصيف الماضي بسبب النزاع على رئاسة البلديّة وما رافقه من تهم بالفساد.

ويعيش اليوم في بلدة جزّين قرابة 1300 سوريّ معظمهم من دير الزور. لكنّ الذين هم أكراد منهم يعرّفون عن أنفسهم بأنهم كذلك، إذ تبدو «الكرديّة» أرحم بهم من «السوريّة». بيد أنّ أنطوان رزق، ومن موقعه كربّ عمل، يشرح الحاجة الماسّة إلى العمالة السوريّة لأنّ العامل اللبنانيّ «تحتمله على مدى الشتاء ثم يتركك حين يأتي موسم الصيف».

وهذا، على أيّ حال، ليس الشعور السائد إذ يُمنع على السوريّين التجوّل في البلدة بعد السابعة، حيث «الوضع مضبوط بين مخابرات الجيش والبلديّات». وكانت البلديّة، وفق رواية أحدهم، «اتّخذت قراراً بإعادة بعض السوريّين ممّن يسكنون في محالّ أو كاراجات أو خيم غير مجهّزة ومكتظّة ولا تستوفي الشروط الصحيّة». ويُخبرنا فؤاد الحاج عن قيتولي، حيث العونيّون يسيطرون أيضاً على البلديّة، أنّ هناك ما بين عشرين وثلاثين عاملاً سوريّاً لم تنضمّ عائلاتهم إليهم، و «أنّنا أخذنا صوراً عن هويّاتهم ورفعناها إلى المؤسّسات الأمنيّة، وأفهمناهم أنّكم تعملون هنا وأنّ من يريد منكم أن يقاتل فلـيذهب إلـى هناك».

والـبؤس له دائـماً وجـوه عدّة تـتداخـل وتـتوزّع بين «هنا» التـي يقيـم فيها الـكثـير من «هنـاك»، والـ «هنـاك» التي غالباً ما تصير «هنا».

بقلم : حازم صاغيّة وبيسان الشيخ