orientpro

عهد الشرق


تقسيم الشرق وتفريغه من المسيحيّين

السعودية وايران والصراع الطائفي المقيت
(4)

في الذكرى العاشرة لغزو العراق بدا مثيراً ما ردَّده أحد ابرز رجال إدارة جورج دبليو بوش من الذين شاركوا في التخطيط، بأنّه لا يزال من المبكر جداً إجراء تقويم نهائي لما حصل. فيمكن الحديث بعد 15 او 20 سنة عن نجاح او فشل ما أرادته واشنطن من حرب العراق.

هذا الكلام جاء بعد عاصفة "الربيع العربي" التي ضربت بلداناً عربية اساسية فيما النيران المشتعلة في سوريا تنبِئ بتغييرات جذرية ستطاول كامل المنطقة إنطلاقاً من سوريا، وهو ما تحدّثت عنه مجلة "نيويورك تايمز" الاميركية أخيراً.

فالعراق الذي اجتذب نزاعاً عنيفاً بين السعودية وايران وأيقظ الفتنة السنّية - الشيعية وأسَّس لاول إقليم كردي مستقل، دشَّن في الحقيقة مرحلة عربية جديدة، أول ما فيها سقوط مفهوم القومية العربية لصالح الولاءات المذهبية والاثنية والعرْقية، وهو ما يعني تفكيك هذه الدول التي جمعتها القومية العربية.

وعندما قُسّم السودان، إعتقد كثيرون أنّ ما يحصل هو مشروع منفصل لبلد بعيد نوعاً ما عن العمق العربي في مفهومه المعنوي. لكنّ رياح "الربيع العربي" التي هبَّت سريعاً أخذت في قطع أواصر الترابط في البلد الواحد، وهكذا اصبحت ليبيا خاضعة لنزاعات القبائل حيث بات لكلّ واحدة منها ما يشبه السلطة المستقلة.

وفي اليمن صورة شبيهة، وفي مصر صراع بدأ وسيكون طويلاً لبلد يعاني السواد الاعظم من ابنائه من الفقر المدقع وهو ما يشكل وقود النزاعات الدموية عادة. أما المشهد السوري فلا يحتاج الى شرح، وجنوب تركيا ينذر بدخوله معترك الاضطرابات مستقبلاً في ظلّ تنامي الحركات الاسلامية المتشدّدة التي تجنّد الشباب الاتراك للقتال في الداخل السوري، فيما ابناء الطائفة العلوية متحمسون لمناصرة اولاد عمّهم في سوريا.

أما الاكراد فيزيدون من روابط العلاقة بينهم وبين اكراد سوريا الذين اعلنوا أخيراً نظام الحكم الذاتي.من جهته، ينتظر الاردن دوره لدخول الصراع، فهو يعيش كلّ يوم بيومه وهو الذي يشكّل ممراً ممتازاً الى عمق الخليج العربي.

هذه الصورة تقضّ مضجع الاقليات الدينية، لأنها تصبح في قلب العاصفة ما يجعل وجودها في مهبّ الريح وسط النار المستعرة. هكذا دفع المسيحيون ثمناً باهظاً من وجودهم في العراق وتضاءل عددهم الى حدّ الزوال.

صحيح انه لم يكن هنالك من سبب واحد مقنع يبرّر اسباب استهداف مسيحيّي العراق، فلا هم حملوا السلاح ولا طالبوا بمواقع في السلطة ولا انخرطوا في النزاع الحاصل، إلّا انّ الفاتيكان الذي لمس التحوّلات الكبرى الحاصلة في المنطقة آثر الدخول على خط الاحداث من خلال دفع المسيحيين للبقاء بعيداً عن لهيب الصراع.

ويُروى انّ الفاتيكان الذي شعر بخطورة الدور الذي لعبه بعض مسيحيي لبنان، آثر التدخل من خلال نصح البطريرك مار نصرالله بطرس صفير بالتنحي قبل أن يعود وينصح البطريرك مار بشارة بطرس الراعي بتهدئة خطابه السياسي. فالمطلوب ليس السير بعكس سياسة صفير، بل التراجع الى الخطوط الخلفية والسعي لحماية ما تبقى من الوجود المسيحي في الشرق.

وإلى جانب تنسيق الحركة ما بين الكنيستَين الكاثوليكية والارثوذكسية للمرة الاولى، سعى الفاتيكان الى تهدئة مشاعر القلق لدى مسيحيّي سوريا الناجمة عن صعود التيارات الاسلامية المتشدّدة التي نكّلت بالمسيحيين في سوريا على اعتبار انهم من الكفار. وتروي بعض الارقام أنّ عدد الضحايا المسيحيين منذ بدء الاحداث في سوريا قارب العشرة آلاف.

وقد تدخّل الفاتيكان بحزم عندما وصلته معلومات عن سعي البعض لتسليح المسيحيين السوريين ودفعهم لإنشاء ميليشيا خاصة بهم، فاستدعى اكثر من رجل دين مسيحي مؤيّد لهذه الفكرة وأخضعه لمحاكمة سرية في لبنان، وصلت في بعض احكامها الى الحرمان من مهماته الكنسية.

في المقابل، شجع الفاتيكان زيارة الراعي دمشق يوم تولّي بطريرك أنطاكيا للروم الارثوذكس يوحنا العاشر اليازجي مهماته، على رغم كلّ ما اثارته الزيارة من تعليقات ومواقف، ووقف بقوّة لمنع الضربة الاميركية على سوريا في موقف نادر لبابا الكاثوليك كرّره مرتين متتاليَتين.

ومع ذلك لا يبدو الفاتيكان راضياً عن أداء المسيحيين في لبنان وارتقائهم الى مستوى الاحداث في المنطقة، ذلك انّ مأساةً بحجم معلولا خضعت وما تزال للتوظيف في الانقسام السياسي الحاصل، اضافة الى رهانات واهية وسطحية بنيت على اساس "ربيع عربي" سريع في سوريا، فيما كان من المفترض التعاطي مع الحرب الدائرة في سوريا بنضج اكبر.

وهكذا، جوبه موضوع النازحين السوريين الى لبنان بخفة من خلال التوظيف السياسي والحسابات الانتخابية، لتغدو المسألة بحجم تهديد الكيان اللبناني بالعمق وتغيير الديموغرافيا.

ولم يعد سراً انّ البابا فرنسيس وفي قراره الأول فور تسلّمه مهماته، طلب من كاردينال نيويورك إبلاغ الادارة الاميركية قلق الفاتيكان الكبير على مستقبل الاقليات في الشرق ومخاطر ارتفاع أعداد النازحين السوريين في لبنان، ما يهدّد الاستقرار الهش الذي يعيشه هذا البلد اصلاً.
وخلال زيارته بلده أسيزي الايطالية، مسقط رأس القديس فرنسيس، تطرّق البابا بكلام عاطفي مؤثر الى واقع مسيحيّي الشرق.

وطلب اجتماعاً لبطاركة الشرق الكاثوليك اواخر تشرين الثاني المقبل لاصدار توصيات والعمل على اساسها. ويتحضّر البابا كذلك لزيارة القدس والاراضي المقدسة، إضافة الى الاردن حيث وردت اخبار عن مضايقات كبيرة بدأ يتعرّض لها فجأة ما تبقى من المسيحيين في القدس لدفعهم للهجرة.

ولا تبدو هذه الخطوة منفصلة عن خطة إفراغ الشرق من المسيحيين، حيث إنّ المفاوضات الاسرائيلية - الفلسطينية تتضمّن شرطاً اسرائيلياً بتهويد القدس وجعلها العاصمة الأبدية لإسرائيل.
التعليقات