orientpro

عهد الشرق


هل الشر متأصل في نفوس البشر؟

الحرب والسلام
(1)

الإنسان والدولة والحرب
يعمل "والتز" أستاذ شرف للعلوم السياسية بجامعة بيركلي، وهو أحد مؤسسي المدرسة الواقعية في نظرية العلاقات الدولية، وهذا الكتاب هو أطروحته للدكتوراه عام 1954 من جامعة كولومبيا، والتي عمل فيها أستاذًا لفترة طويلة.

ماذا يربح الإنسان من الحرب؟
يصف المؤلف كتابه في المقدمة بأنه لا يمثل نظرية في السياسة الدولية، ولكنه على أي حال وضع أساسًا لنظرية، وطور مفاهيم وعين مشكلات ما تزال تقلق الدارسين وصنّاع السياسة.
يعمل “والتز” أستاذ شرف للعلوم السياسية بجامعة بيركلي، وهو أحد مؤسسي المدرسة الواقعية في نظرية العلاقات الدولية، وهذا الكتاب هو أطروحته للدكتوراه عام 1954 من جامعة كولومبيا، والتي عمل فيها أستاذًا لفترة طويلة، ونشرت مؤخرًا مؤسسة كلمة (هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة) ترجمة عربية للكتاب.

يفسر الكتاب كيف تنشأ التوازنات من الوضع الذي تتواجد فيه الدول كلها؛ وليس نتيجة خبث الناس أو الدول، ففي نزعتها المتأصلة إلى التوازن تندلع الحروب للأسباب نفسها التي تدعو إلى التعاون، فالصراع يكمن في طبيعة النشاط الاجتماعي أكثر مما يكمن في طبيعة الناس أو الدول، فالصراع أحد النتائج الجانبية للتنافس والتعاون؛ لأن الدول في سعيها للاعتماد على نفسها تهتم بالوسائل التي تحميها وتحمي مواردها.

هل الحرب مجرد ضغينة جماهيرية، وبالتالي يكون تفسير الضغينة هو تفسير للشرور التي يقع الناس فريسة لها في المجتمع؟ يقول تافت: “لقد أظهر التاريخ أنه إذا أعطي الشعب فرصة ليقول كلمته فإنه -دون شك- سيدلي بصوته ما أمكن لصالح السلام، وقد تبين في كل زمن أن الحكام المستبدين أكثر ميلاً للحرب من شعوبهم”.

ولكن –يقول والتز- لا يمكن للطبيعة البشرية أن تفسر الحرب والسلام؛ برغم أنها تلعب دورًا في الحرب والسلام، ويرى أن الاهتمام الزائد بالسبب الجوهري للصراع يفضي إلى الابتعاد عن التحليل الواقعي للسياسة العالمية.

كيف نفكر في الحرب والسلام؟
يوجز “والتز” مضمون التصور الأولي للسؤال كيف نفكر في الحرب والسلام في أن الشر المتأصل في البشر أو سلوكهم غير اللائق يفضي إلى الحرب، وأن الصلاح الفردي لو أمكن تعميمه وجعله شيئًّا عالميا فسوف يوصلنا إلى السلام، وفي نظر الكثيرين فإنه من الممكن إصلاح الأفراد إصلاحًا كافيًا للوصول إلى سلام دائم في العالم.

وهنا يسأل والتز: هل يعني أن البشر صالحون أنه ليس هناك مشاكل اجتماعية أو سياسية؟ ولكن ما معنى “صالح”؟ المسألة أن جميع الفلاسفة الذين فكروا في المسألة لاحظوا وجود الصراع، وسألوا عن السبب، وألقوا اللوم على واحدة أو عدد من السمات السلوكية.

لقد شغلت العلوم السلوكية بالظاهرة، ويستعرض “والتز” كثيرًا من هذه النظريات والمحاولات البحثية والفلسفية لفهم الحرب والسلام، وهذه المعرفة العلمية لعلاقاتنا الاجتماعية -كما يقول هيلموت كاليس- تساعدنا على إيجاد وسائل ثقافية تحقق للبشرية في معيشتها مستوى أفضل.

العقل محل القوة العسكرية
وفي محاولتهم الطويلة لإحلال العقل محل القوة العسكرية قدم الليبراليون فكرًا متراكمًا عن حدود استخدام القوة المادية المنظمة التي من شأنها أن تنشئ العالم المسالم الذي يرغبون فيه، وهنا فإن التنظيم الاقتصادي هو المفتاح وليس التنظيم السياسي، وعلى أي حال فإنه -برأي المؤلف- لا يمكن تعميم نمط معين من أنماط الدولة والمجتمع لبلوغ السلام العالمي، فالعلاقات الدولية تصنعها تصرفات الرجال الذين يمثلون الدول، وهؤلاء تصنعهم مجتمعاتهم، ولكن البيئة السياسية الدولية لها تأثير كبير على طرائق سلوك الدول.

وفي ملاحظة التفكير الإنساني في مشكلات السياسة يجد “والتز” فكرتين متناقضتين حول العلاقة بين بنية الدول، وأنواع الحروب التي تشنها؛ البنية السياسية للدولة تتأثر إلى حد بعيد بتنظيمها العسكري، وهو ما تفرضه عوامل خارجة عن السياسية كالموقع الجغرافي، وفي المقابل فإن البنية السياسية الداخلية من شأنها أن تفرض تنظيم واستخدام القوة العسكرية.
وبوجود كثير من الدول ذات السيادة -يلاحظ والتز- وبغياب نظام قانوني واجب النفاذ بين تلك الدول، وبقيام كل دولة بالفصل في مظالمها وطموحاتها وفق إملاءات منطقها الخاص ومشيئتها فإن الصراع الذي يفضي أحيانًا إلى الحرب واقع لا محالة.

الحرب غير مربحة
وهنا يعرض أمثلة من الاقتصاد والسياسة والتاريخ، وفي ذلك فإن “نورمان آنجل” طرح بثبات وبلاغة ووضوح مقولة أن الحرب غير مربحة، كانت دائمًا –يقول والتز- دائمًا أطروحة صحيحة، وقد كان “آنجل” ذا ميول عقلانية وفردية من طراز القرن التاسع عشر، وكان اهتمامه بالأرباح والخسائر النسبية لهذا الشعب أو ذاك أقل من اهتمامه بالحقيقة المفروغ منها، ومفادها أن الحرب في أحسن حالاتها تبعد الإنسان عن العمل والذي ينتج ضرورات الحياة وكمالياتها، وفي أسوأ حالاتها تدمر ما كانوا قد أنتجوه، وقد تحقق الحرب فعلاً إعادة توزيع للمصادر، ولكن العمل هو الذي يوجد الثروة وليس الحرب، ومع ذلك تقع الحروب.
لقد أصبحت مخاطر الحروب والصراعات أكبر وأكثر تدميرًا، وصارت تأخذ منحى داخليًا أكثر مما هي حروب بين الدول، ويتبعها مشكلات اقتصادية ودولية كبيرة مثل قضايا اللاجئين.

روبرت هندي وجوزيف رتبلات في كتابهما “أوقفوا الحرب” يلاحظان أن الحروب تتنوع في أسبابها، ولا يوجد اتفاق على تعريف مفهوم الحرب إلا أنها عادة ما تسفر عن ضحايا كثيرة، وإصابات وخسائر غير عسكرية بنسب عالية جداً، ومع إقرارهما بتنوع وتعقد أسباب الحروب فإن العامل الأساسي لقيام الحروب هو توافر الأسلحة إلى أن يتم حيازتها حتى يجري استخدامها.

إن معظم أسباب الحرب سياسية تقريبًا، فكل دولة تعنى بمصالحها الخاصة، ويؤدي تضارب المصالح إلى العنف، كما أن لأداء القادة وشخصياتهم دورًا حاسمًا في الحرب، ومع ذلك فإن احتمال خوض الدول الديمقراطية الحرب ضد بعضها البعض، أقل من احتمال خوض الدول الاستبدادية لها، لكن إمكانيات الخطر تبقى موجودة رغم ذلك.

وقد أسس معهد (ستوكهولم) لأبحاث السلام الدولي عام 1964 في ذكرى مرور (150) سنة من السلام المستمر في البلاد السويدية، واستطاعت الدول الأوروبية بعد قرون من الحروب أن تجعل الحرب العالمية الثانية نهاية للحروب بينها، وقد مرَّ على انتهاء الحرب أكثر من ستين سنة، فهل يمكن للعالم أن يُحلّ السلام بدلاً من الحرب في تسوية نزاعاته وعلاقاته كما فعلت أوروبا؟ ثمة إجابة بالطبع، وهي أن الحروب التي تدور خارج عالم الغرب تُشعل معظمها الدول الغربية نفسها التي ترفض أن تكون الحرب وسيلة لتسوية الصراعات والخلافات فيما بينها، ولكن يبقى السؤال قائمًا وملحًا.

موجة حروب العالم الثالث
تكاد تكون الحروب بين الدول توقفت، ولكن العالم (الثالث بالطبع) يشهد موجة غير مسبوقة من الصراعات والحروب الأهلية الداخلية، وقد أحصى معهد (ستوكهولم) عشرات الصراعات التي وقعت في السنوات القليلة الأخيرة في آسيا وإفريقية.
وقد تشعر مجموعات في دولة ما بالاستياء وتعتبر نفسها مغبونة من السلطة، وتلجأ إلى وسائل عنيفة للحصول على ما تعتبره حقوقًا مشروعة لها، وللدول صلاحية مطلقة في التحكم في الشؤون الداخلية ضمن حدودها الخاصة، ولا يسمح بتدخل الأمم المتحدة أو هيئات خارجية أخرى إلا عندما يكون السلام أو الأمن الدوليين مهددين.
وقد تلجأ المجموعات التي تفتقر للموارد وتعتبر نفسها محرومة إلى الإرهاب؛ إذ العنف يولد العنف، ومن هنا يجب التعرف على حافز أعمال الإرهابيين، وتصحيح الظلم الذي يشعر به المظلومون حول العالم.

كما أن الاختلافات الثقافية بين البلدان وداخلها يمكن أن تشكّل أسسًا للحرب، وكثيرًا ما ترافق النزاعات اختلافات عرقية ودينية، فالتمييز بين المجموعات داخل الدولة يؤدي إلى مشاعر الخوف والاعتداء، لكن النزاع غالبًا يقوم على أسباب اقتصادية، وتستخدم العرقية والثقافة كأساس للتعبئة السياسية.

وتعتبر الاختلافات الدينية مظهرًا من مظاهر العرقية، لكنها تكون أحيانًا وقودًا يغذي مؤسسة الحرب، بالإضافة إلى القضايا الأيديولوجية الأخرى، ونزعة الانتقام الطبيعية نتيجة الأضرار الحاصلة.

وهناك احتمال ضعيف أن يؤدي التنافس بين الدول على الأرض إلى حرب كما في الماضي، لكن أسباب النزاع السياسية والاقتصادية “ندرة الموارد الطبيعية” ما زالت مهمة، واحتمال الإفراط في استخدام الموارد والتدهور البيئي سببان في حدوث النزاع، وبخاصة الخلافات على الموارد المائية.

وتلعب العولمة -التي تجعل الأحداث الحاصلة في أجزاء مختلفة من العالم مترابطة تدريجيًّا مع بعضها البعض أكثر فأكثر- دورًا في تأجيج الحروب، حيث إنها تعمق الفجوة بين البلدان الغنية والفقيرة، وبين الفقير والغني داخل الدولة، وحيث يرتبط تفاوت الثروات بالاستياء والنزاع.

ويعد الفقر وتفاوت الثروة من العوامل المؤدية إلى الحرب، ويمكن أن يجعل التدهور الاقتصادي العنف أكثر احتمالاً، عندما تصبح الموارد أكثر ندرة داخل المجتمع.
ولكن يجب ألاّ نقلل من جهود حفظ السلام – كما يؤكد التقرير السنوي للمعهد السويدي للسلام- التي تجري في دول كثيرة حول العالم، وقد اتجهت صراعات عدة إلى الانتهاء مثل تيمور الشرقية، والبلقان، وأنغولا، وهناك عمليات إدارة للسلام في حوالي (50) بلدًا، وقد ظهرت أيضًا المحكمة الدولية الجنائية إلى الوجود في عام 2002 بعد أن صدّقت عليها ستون دولة، وتُعدّ الولايات المتحدة الأمريكية أقوى خصوم هذه المحكمة، واتخذت خطوات مختلفة لإفشال فعالية المحكمة، وحماية مواطنيها من سلطة المحكمة.

بقلم : إبراهيم غرايبة