orientpro

عهد الشرق


بوتين وخودوركوفسكي

ميخائيل خودوركوفسكي 10 سنوات في السجن

من المتوقع  ان ميخائيل خودوركوفسكي سيقوم يوم غدا  الأحد 22 من نوفمبر 2013 بعقد لقاء صحفي كبير في ألمانيا , ربما سيضع  النقاط على الحروف ، حول الصفقة مع بوتين التي تشبه العهد السوفيتي .

عهد الشرق

قبيل عيد الميلاد أعلن الرئيس الروسي بوتين انه سيعفو عن ميخائيل خودوركوفسكي، رجل الاعمال الذي كان ينفذ حكما بالسجن حتى نهاية شهر آب المقبل، كما كان عليه ان يواجه قضايا أخرى تتعلق بالاختلاس وقد تؤدي الى سجنه عشر سنين اضافية.
وطرح الرئيس الروسي بأن العفو يعود الى طلب استرحام من خودوركوفسكي لرغبته في مرافقة والدته التي تعاني حالة مرضية أوجبت معالجتها في المانيا. وبالفعل صدر العفو يوم 20 كانون الأول وسافر خودوركوفسكي الى المانيا.
الصحافة الغربية، ولا سيما منها البريطانية والاميركية، سارعت الى القول إن بوتين هدف من الاعفاء الى تحسين صورته قبل دورة الالعاب الاولمبية الشتوية في سوتشي في شباط المقبل، وكانت هذه الصحف نفسها تصور خودوركوفسكي بانه رجل ليبرالي سجن بسبب معارضته لبوتين في السابق، واصداره صحيفة ليبرالية.
معلوم ان بوتين يتعرض في الصحافة الغربية لهجمات لاسباب متعددة، منها حجم الانفاق على منشآت دورة سوتشي، واتجاهه لنصب صواريخ "الاسكندر" في موقع مواجه لمواقع الصواريخ التي يقترح الاميركيون تركيزها في بولونيا، والتي بدأ العمل على نصبها، كما توجه اليه انتقادات بسبب مواقفه في الموضوع السوري.
الواقع الحقيقي ان خودوركوفسكي كان من أكبر الذين سرقوا الشعب الروسي كما المستثمرين الاجانب معه ومنهم شركاء افراد وشركات أميركيون خسروا بين ليلة وضحاها بسببه 1,5 مليار دولار.
وتصرفاته الشائنة معروضة ادناه استناداً الى تقويم ومعلومات لخبراء في موضوع الاقتصاد الروسي والمجتمع الروسي، ينتسبون الى جنسيات بريطانية واميركية.
فيليب لونغوارث، في كتابه الرائع "امبراطوريات روسيا" ودومينيك ميدجلي وكريس هاتشينز في كتابهما "ابراهاموفيتش – المليادرير من لا مكان"، يصفون خودوركوفسكي بأنه شخص غشّ وأساء معاملة مواطنين روس من العاملين بجدّ واجتهاد.
اخطر انتقاد لخودوركوفسكي ورد في مقال نشرته مجلة "فورين آفيرز" في عدد تشرين الثاني - كانون الأول 2004. كتب هذا المقال مارشال غولدمان وكاترين دبليو ديفيس استاذة الاقتصاد الروسي في ولسلي كوليدج والمديرة المساعدة لمركز ديفيس للدراسات الروسية والاوروبية – الآسيوية في جامعة هارفارد. من الصعب ايجاد شخص أكاديمي خارج روسيا لديه سيرة ذاتية تشهد على هذا الكمّ من المعلومات عن الاقتصاد الروسي.
عن برنامج تحرير المؤسسات الروسية وخصخصتها في السنوات الاولى لرئاسة بوريس يلتسين، قال البروفسور مارشال غولدمان ما يلي:
"كانت اصلاحات التسعينات، في غالبيتها، من عمل مستشارين جيء بهم في عهد الرئيس بوريس يلتسين. ومن خوفهما من امكان تغيير الشعب رأيه وادارة ظهره للاصلاح، قرر ايغور غايدار وأناتولي شوبايس، المهندسان الروسيان الرئيسيان لهذه العملية، ان يعجلا فيها، فباعا موارد الدولة ومؤسساتها بلا مقابل أو باسعار بخسة. بعيد بدء العملية، بيعت بعض أثمن موارد روسيا بالمزاد العلني بواسطة مصارف يملكها الاوليغارشيون بموجب برنامج يسمى "قروض مقابل اسهم".
وعلى رغم انه يفترض فيهم انهم يعملون نيابة عن الدولة، اقدم دلالو المصرف على تزوير العملية، وكل المزايدات انتهت لمصلحة المصارف.
بهذه الطريقة استولى خودوركوفسكي على 78 في المئة من ملكية "يوكوس"، التي تساوي خمسة مليارات دولار، في مقابل مبلغ 310 ملايين دولار فقط، واستولى بوريس بيرزوفسكي على "سيبنيفت"، عملاق نفطي آخر، التي تساوي ثلاثة مليارات دولار بنحو 100 مليون دولار.
وبالنسبة الى علاقات خودوركوفسكي مع المستثمرين، الروس منهم والاجانب، الافراد والشركات، هذه فقرات من المقال عينه ليست في حاجة الى تفسير:
"لما بدأ بوتين يشعر بخيانة الاوليغارشيين سياسياً، شعر غيره بالخداع اقتصادياً. المستثمرون في مشاريع خودوركوفسكي كانوا دائما يجدون انهم تسلموا قصاصات اوراق لا قيمة لها. المستثمر الاميركي كينيث دارت اضطر الى شطب ما يقارب مليار دولار. شركة النفط التي كانت تسمى "اموكو" (ولاحقا "بي بي اموكو") عانت المشكلة نفسها. كلاهما وضع أموالاً في شركة تابعة لانتاج النفط كان خودوركوفسكي استولى عليها وانتزع منها كل موجوداتها. وبالطريقة نفسها، عندما انتزعت شركة "تامين اويل" الروسية موجودات فرع "سيدانكو أويل"، اضطرت "بي بي أموكو" الى شطب 200 مليون دولار من استثمار مبلغ 500 مليون دولار في "سيدانكو اويل".
"بعدما اعلنت الحكومة الروسية التوقف عن ايفاء ديونها في 17 آب 1998، اقفلت أكثر المصارف الروسية، بما فيها مصرف "ميناتيب" لخودوركوفسكي، ابوابها، حارمة مئات الآلاف من الروس العاديين مدخراتهم. اخذ خودوركوفسكي كل ما يمكن انقاذه من الاصول الجيدة وحولها الى فرع بطرسبرج، بعيداً من متناول دائنيه. وبعد مداخلة طويلة وغير جدية من الحكومة، وافق "ميناتيب" في النهاية على تقديم تعويضات رمزية، وهكذا فعلت "يوكوس" للذين اخذوا اسهمها كتأمين لقروض الشركة. ولكن وقت انتهى خودوركوفسكي من اصدار اسهم جديدة مخفضا الاسهم القديمة، كان قليل من مودعي المصرف او دائنيه تبقّى لهم ما يعوضهم ما قاموا به من جهد".
"اعتبر خودوركوفسكي نفسه خارج سيطرة الكرملين. ما من رجل أعمال وصل الى هذه النقطة من قبل، لا في عهد القياصرة ولا في عهد يلتسين، وكان بوتين مصمما على ان لا يدع ذلك يحصل في عهده. بالنسبة الى الذين يؤمنون بسيادة الدولة - كما تفعل غالبية الروس – كان تصرف خودوركوفسكي العدائي مريبا على صعد عدة".
حلق خودوركوفسكي عالياً حتى بات أغنى اوليغارشي في روسيا، وشعر بأنه على درجة من القوة، فأنشأ امبراطورية اعلامية ووقع اتفاقاً، صينيا – روسياً لمد خط من الانابيب حتى من دون التشاور مع الحكومة الروسية.
وكان، علاوة على ذلك، ذا طموح سياسي. ففي كتابها "مبيع القرن"، تظهر كريستيا فريلاند، رئيسة مكتب "الفايننشال تايمس" في موسكو في الثمانينات، بوضوح ان خودوركوفسكي كان واحداً من الاوليغارشيين الذين هندسوا ومولوا اعادة انتخاب يلتسين من أجل تمديد قبضتهم على المشاريع والاعمال الروسية.
عندما استقال يلتسين في آخر 1999 وتسلم بوتين الحكم مكانه رئيساً مؤقتاً، قال خودوركوفسكي لفريلاند: "يجب ان ندخل السياسة بقوة".
الغش على نطاق واسع والتصرف القبيح ربما لم يكونا سبباً كافياً لسجن خودوركوفسكي تسع سنين. لكن دوس انظمة الحكومة ذهب الى أبعد بكثير من غش الجماهير واهمال مصالح المساهمين. وجدت حسابات الضرائب العائدة الى خودوركوفسكي مغشوشة، ويده اليمنى للتمويل الذي يعمل من لندن، بلايتون يلبيديف، ينفذ في السجن في موسكو حكما بالحبس ثماني سنوات لغش في الضرائب. ضمت "يوكوس" الى شركة "روزنفت" التي تبلغ مبيعاتها السنوية 80 مليار دولار.
في ما هو أبعد من المال وعلى مستوى أكثر فساداً، اتهم ليونيد نيغزلين، شريك سابق في "يوكوس" وزميل لصيق لرئيسها المسجون، بالتحريض على ثلاث جرائم قتل على الاقل لمنافسين في مجال الاعمال. بعدما أوقف رئيسه عام 2003، فر نيغزلين الى اسرائيل حيث حصل على الجنسية الاسرائيلية وهو يعيش الان هناك. وفق المدعين العامين الروس، اتهم نيغزلين باصدار اوامر بقتل عدد من منفذي الاعمال والمسؤولين من عام 1998 حتى عام 2004 ومحاكمته متصلة بشكل وثيق بمحاكمة اليكسي بيتشوغن، رئيس أمن المؤسسة النفطية السابق الذي حكم عليه بالسجن المؤبد في آب 2007 بموجب اتهامات لضلوعه في حالات الاغتيال نفسها.
"بحسب الاتهامات، فان نيغزلين متهم بقتل فالنتينا كورنيغلا وهي امرأة أعمال في موسكو، وفلاديمير بيتوكهوف رئيس بلدية نيفتيوغانسك". في 3 آب 2008، أفادت هيئة الاذاعة البريطانية ان محكمة موسكو الجنائية حكمت على نيغزلين بالسجن المؤبد.
اذا كانت ثمة حاجة الى ادلة أخرى من اجل لوم خودوركوفسكي، فذلك يتضح من خلال موقف هنري كيسينجر. قبل كيسينجر ان يكون أميناً لمؤسسة وقفية انشأها خودوركوفسكي من أجل تقوية علاقات روسيا مع الغرب. منذ عام 2003 لم يرفع كيسينجر قط أي اعتراض على سجن خودوركوفسكي. وفي كانون الأول 2007، عندما اجرت مجلة "تايم" مقابلة مع كيسينجر في مناسبة اختيار فلاديمير بوتين "رجل السنة"، قال عن الرئيس الروسي: "انه وطني خارق الذكاء، ومقتدر جداً". لو شعر بأن بوتين اساء معاملة صديقه المسجون لكان قال ذلك.

بقلم : مروان اسكندر