orientpro

عهد الشرق


خارطة جديدة للشرق الأوسط

تطورالأمة والديمقراطية

(4)

النبوءة اللبنانية
ربما يعرف اللبنانيون الذين ينتمون إلى جيل معين قولا مأثورا يرجع إلى عهد الحرب الأهلية، في عام 1975، يؤكد على أن «لبنان لن تتعرض مطلقا للتقسيم قبل أن تنقسم دول أخرى في الجوار، وتحديدا سوريا، إلى دويلات أصغر». يمكن القول إن هذه جملة لم يكن لها معنى آنذاك؛ بل جاءت كتعويذة أو تنفيس عن فترة تشهد حزنا وطنيا، ونتيجة لثرثرة حرب فارغة متلهفة للخروج من عصر الفوضى تتوق إلى النظام في وقت الأزمات. ولكن إذا استعدنا أحداث الماضي، وفي ضوء مخاض الحرب الراهنة في المنطقة – وفي ضوء تقطيع أوصال الشرق الأوسط الوشيك في عصرنا هذا- تبعث النبوءة التي ترجع إلى عصر الحرب اللبنانية، على الرغم مما بدت عليه حينها من عدم براعة وافتقاد إلى المعرفة - برسالة تنذر بالخطر على وجه خاص اليوم، حيث تتنبأ باقتراب فترات أكثر ظلاما وفوضى.

تعكس هذه النبوءة اللبنانية التي ترجع إلى أربعين عاما مضت استيعابا عميقا لتاريخ الشرق الأوسط، إذ توقعت رؤية للمستقبل يشبه كثيرا ماضي المنطقة.وفي مثال على هذه النقطة، أثار وصول مقاتلي الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) مؤخرا إلى بلاد الرافدين وسائل الإعلام والمقالات البحثية التي خرجت لتنذر بنهاية نظام سايكس بيكو وتفكيك نظام دولة الشرق الأوسط الحديث، وتتوقع إعادة ترسيم خريطة المنطقة السياسية على أسس طائفية وعرقية جديدة. ولكن هذه النغمة الجديدة من وجود تقسيمات جديدة أو إعادة رسم المنطقة، التي بقدر ما يمكن أن تسعد البعض ربما تبدو نشازا لآخرين، ليست لعنة أو بدعة جديدة. إن إعادة تخطيط الخريطة فكرة تحدث عنها العديد من المتخصصين في شؤون الشرق الأوسط، ومن بينهم مجموعات معاصرة، وكتبوا عنها على نحو موسع في الأيام الأولى من «الربيع العربي» الذي أسيء تصويره وتعريفه وتسميته.

تاريخ الشرق الأوسط
على أي حال فإن الخريطة الراهنة للشرق الأوسط، والتي تقسم الدول ذات الأسماء «القومية» وتتغنى بأناشيد «قومية» وتلوح بأعلام «قومية»، وتقيم جيوشا «قومية»، لم تكن تعكس قانون الطبيعة أو تاريخ وتقاليد الشرق الأوسط. بل كان هذا النموذج نتاجا للخيال الأوروبي، والتاريخ الأوروبي والتسمية الأوروبية، والمفاهيم الرومانسية الأوروبية للشرق الأوسط كمنطقة يسكنها فقط (أو يغلب عليها) «العرب» و«المسلمون». ولكن الشرق الأوسط بطبيعته، وتقيده بتاريخ ألف سنة مضت، ليس ذلك «العالم العربي الإسلامي» الذي يتصوره القوميون العرب ومناصروهم الأوروبيون.

في الواقع، لم يكن هناك مطلقا «عالم عربي» موحد، أو «أمة عربية» متماسكة قبل وجود نظام الدولة الحديث في الشرق الأوسط في القرن العشرين الذي رغبت بريطانيا في تكوينه بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية. حتى إن تي إي لورنس (لورنس العرب)، أحد أكثر المدافعين المخلصين في العصر الحديث عن القومية العربية، سخر من فكرة «الأمة العربية» وفرضية وجود «شعب عربي» متماسك، حيث وصفها بالأمة «المصنوعة».

بل واعترف لورنس بأن اللغة العربية ذاتها -الرابط المفترض بين العرب- سادت الشرق الأوسط في المرحلة الأخيرة فقط، وبمحض «المصادفة»، مؤكدا على أن سيادتها الظاهرية «لا تعني أن سوريا- مثل مصر- كانت دولة عربية». وأشار أيضا إلى أنه على «ساحل البحر (المتوسط) لم يكن هناك سوى القليل من المشاعر أو التقاليد العربية، إن وجدت».
وفيما يتعلق بالدور الذي تقوم به اللغة العربية ذاتها في تشكيل مفاهيمنا عن الشرق الأوسط، يتفق علماء اللغويات على أن اللغة العربية تمثل لغزا، وعلى الارتباك الذي يشعر به مستخدمو اللغة العربية عند الحديث عن لغتهم المنطوقة. وفي حين من الممكن أن يكون هذا «الارتباك» غير مفهوم للجمهور المتحدث بالإنجليزية الذين يتفقون على ماهية «الإنجليزية المنطوقة جيدا»- أي الإنجليزية التي تلتزم جيدا بـ«اللغة المكتوبة» -لا يملك مستخدمو اللغة العربية ما يكافئ «اللغة العربية المنطوقة جيدا»، والتي تعني أنهم يتحدثون بـ«اللغة العربية».

تمثل اللغة العربية بالنسبة لهم فقط اللغة «الفصحى» أو «القرآنية» التي جاء بها الإسلام، ونموذجها الأحدث الذي جاء في القرن التاسع عشر- اللغة العربية الفصحى الحديثة. إن اللغة العربية ببساطة، ليست أيا من اللغات المنطوقة، التي أحيانا ما يشير إليها العرب باللهجات «العامية» أو «الدارجة» أو «الشعبية».

بيد أن كثيرا مما تسمى «اللهجات» تعد لغات في حد ذاتها، وتختلف عن بعضها الآخر، وتختلف عن اللغة العربية ببساطة، كما تختلف الفرنسية عن الإنجليزية، وتختلف الإنجليزية والفرنسية عن اللاتينية.

وكما أشار الكاتب المصري توفيق عوان في عام 1929: «في مصر توجد لغة مصرية؛ وفي لبنان لغة لبنانية؛ وفي العراق لغة العراقية؛ وهكذا- وجميعها ليست لغات عربية. في كل دولة من دولنا لغة خاصة بها. لماذا إذن لا نكتب (لغاتنا) كما نتحدث بها؟ حيث إن اللغة التي يتحدث بها الناس هي اللغة التي يكتبونها أيضا.
ولكن كما أشار برنارد لويس، إذا أصبحت هذه الحقيقة واقعا، واستمع «المصريون والسوريون والعراقيون والآخرون» إلى نصيحة عوان، وحولوا «لهجاتهم العامية إلى لغات قومية، كما فعل الإسبان والإيطاليون وآخرون في أوروبا، سوف تنتهي كل الآمال في تحقيق وحدة عربية أكبر».

ولكن يبدو أن محرك التاريخ يسير في هذا الاتجاه. وهكذا بدلا من أن يكون من الغريب ارتفاع نبرة الخطاب الراهن عن إلغاء «سايكس بيكو» للتعبير عن التنوع في تكوين الشرق الأوسط، يجب النظر إليه كقراءة مخلصة ومحايدة من الجانب الآيديولوجي لماضي الشرق الأوسط - أي الماضي الذي عُرف بتعدد وتنوع الهويات واللغات والتراكمات الثقافية. بالإضافة إلى ذلك، جدير بالذكر أنه في سوريا والعراق المنقسمين اليوم، لم تكن هناك هوية سورية أو عراقية فريدة محددة بالأرض، بل مجرد إرادة سياسية عراقية أو سورية موحدة للعيش في دولة واحدة.

الانتداب البريطاني
في الواقع، كانت مملكة العراق التي خضعت للانتداب البريطاني في عام 1920 تمثل ثلاث وحدات إدارية عثمانية منفصلة- أي ثلاث ولايات تختلف كل واحدة منها وتتباين عن الأخريات-على سبيل المثال مثلما كانت براغ وفيينا وبودابست ستختلف في ظل وجود أي إمبراطورية نمساوية مجرية. في ولاية الموصل العثمانية في الشمال، التي أصبحت اليوم عاصمة محافظة نينوى التي سقطت مؤخرا في قبضة داعش، تتكون غالبية سكانها في الماضي من مزيج من الأكراد والتركمان والآشوريين والأرمن وغيرهم، وكانت تربطهم صلات قرابة- بالإضافة إلى صلات تاريخية وثقافية وجغرافية- بسكان حلب في سوريا الحالية، بل وحتى الأتراك في الأناضول والإيرانيين في الشمال، أكثر من ارتباطهم بالسكان في الجنوب الذي أصبح العراق. وكذلك، تشترك ولاية بغداد، التي يذكرنا اسمها بأصلها الفارسي أكثر من العربي، في تراث الأكاديين والبابليين والفرس والعرب، وحتى منتصف القرن العشرين، كانت تفخر بسكانها اليهود. تنطبق التعددية والمزيج ذاته في الهويات والتراكمات الثقافية على محافظة البصرة؛ وهي محافظة أخرى ذات تاريخ متعدد المراحل يجمع بين السومريين والعيلامين في العصور القديمة، والآراميين والعرب والفرس في العصور الأقرب. وفي الوقت الحالي، قد تعد محافظة البصرة، ذات الأغلبية الشيعية، أكثر انتماء للفرس من العرب، ربما يكون ذلك غير دقيق ولكنه ليس دون مبرر.

يوجد ما يوازي هذا اللغز العرقي الديني الذي يظهر في بلاد الرافدين في سوريا المجاورة. في الحقيقة، وفقا للتاريخ لم تكن هناك مطلقا هوية سياسية أو ثقافية تحدد ما هو «العراقي» على وجه الحصر، قبل أن يخطط له البريطانيون في عام 1920، وكذلك لم تكن هناك مطلقا هوية سورية قبل أن ينشئها الفرنسيون في حقبة الثلاثينات. في الحقيقة واجهت ما سماها الفرنسيون «سوريا» في عام 1936-الدولة التي تكونت من الولايات العثمانية بيروت وحلب ودمشق - صعوبة كبيرة في الانتقال من وحدات إدارية عثمانية متعددة العرقيات إلى دولة حديثة متماسكة لديها هوية واحدة وروابط قومية مشتركة. لخصت إيزابيل برتون، زوجة المستكشف البريطاني الشهير سير ريتشارد فرانسيس برتون، المعضلة العرقية في ولاية دمشق في السبعينات من القرن التاسع عشر، حيث كانت واحدة من جماعات متعددة تعيش «معا على أي حال، (وتمارس) عباداتها المتضاربة في تقارب شديد (.. ولكن) في قلوبهم (كان سكان دمشق) يكرهون بعضهم البعض. السنة يعزلون الشيعة وكلاهما يكره الدروز؛ وجميعهم يبغضون الأنصارية (العلويين)؛ ولا يحب الموارنة أي فئة سوى أنفسهم، ويكرههم الجميع؛ ويمقت الأرثوذكس اليونانيون الكاثوليك اليونانيين واللاتينيين: وجميعهم يحتقرون اليهود». «إيزابيل برتون :الحياة داخل سوريا وفلسطين والأرض المقدسة».

بعد ثلاثين عاما كتب رحالة بريطاني آخر هو غيرترود بيل في الاتجاه ذاته، مشيرا إلى أن سوريا «مجرد اسم جغرافي لا يكافئ أي مشاعر وطنية». أكد على هذه الملاحظة العديد من أهل الشام المعاصرين لبيل، والذين ادّعوا أنه لم يكن هناك مطلقا كيان سوري مميز؛ وأن ما أشار إليها الأوروبيون بسوريا لم تكن سوى عصبة من الجماعات المتفرقة والكيانات الجغرافية المهلهلة التي جمع بينها الغزاة.

لم تنته قصة سوريا فيما يخص تعدد الطوائف العرقية والدينية المختلفة، «على حد وصف تي إيه لورنس في العقود الأولى من القرن العشرين. حتى وإن كانت تعرف باسم واحد، لم تكن سوريا التي خلفها الأوروبيون من ورائهم تمثل كيانا واحدا بل كيانات متعددة، وكتب لورنس: «كل منها له طبيعته واتجاهه ورأيه»، وأحيانا ما تبدو «مثل توأمين يكره بعضهما الآخر». ولكن كان مصطلحا «سوريا» و«سوري» غريبين على من يطلقان عليهما، كما أشار لورنس: «في العربية لم يكن هناك مثل هذا الاسم، أو أي اسم للبلاد ككل، «مما يشير إلى أنها لم تكن موحدة بل وأيضا غير متماسكة سياسيا أيضا.. ويقول لورنس، في الماضي «كانت سوريا ممرا بين البحر والصحراء، تربط بين أفريقيا وآسيا وبين الجزيرة العربية وأوروبا. كانت حلبة منافسة تابعة لبلاد الأناضول واليونان وروما ومصر والجزيرة العربية وبلاد فارس وبلاد الرافدين. عندما حصلت على استقلالها لبعض الوقت من خلال ضعف جيرانها، انقسمت على ذاتها بعنف إلى ممالك شمالية وجنوبية وشرقية وغربية. إذا كانت سوريا بالطبيعة دولة تابعة فسوف تكون بالطبيعة أيضا دولة تتسم بالهياج الدائم والثورة الأبدية».

خريطة سايكس بيكو
وفي إنذار بتفكك سوريا التي كانت حينها في طور التأسيس، في الفترة التي كانت خريطة سايكس بيكو الراهنة قيد الإعداد، حذر لورنس من أن أي حكومة عربية تتولى أي كيان سوري في المستقبل «سوف تكون (مفروضة) بالقدر الذي كانت عليه الحكومة التركية (العثمانية)، أو الحماية الأجنبية أو الخلافة (الإسلامية) التاريخية».. من وجهة نظره، كانت سوريا في ذلك الحين، لا تختلف كثيرا عن سوريا الحالية.. «تتكون من فسيفساء ديني وعرقي ينبض بالحيوية»، وإن أي محاولة لتشكيل دولة موحدة بلا مبرر «سوف تسفر عن شيء معبأ ومغلف، لا يشعر بالامتنان إلى أشخاص تعيدهم فطرتهم إلى الحكم الضيق».

ومما سبق يمكننا استنتاج أن التبشير بنهاية «سايكس بيكو» في عصرنا الحالي قد يكون وسيلة للإصغاء إلى التاريخ؛ بل وربما يكون أيضا وسيلة أكثر عدلا وإنسانية لإدارة التنوع العرقي الديني، ليس فقط في سوريا والعراق، ولكن أيضا في جميع أنحاء الشرق الأدنى المشرقي. إن أهم سبب للصراع الذي تدور رحاه الآن في المنطقة، إذا وضعنا في أبسط صورة، يرجع إلى مفاهيم «عرقية» أو «عرقية- دينية» تتنافس أمام حدود «مدنية» ليبرالية أنانية ربما تصورتها «سايكس بيكو». وفي حين قد يكون هذا التفرع في الهوية معيبا ومتجاوزا للنموذج الموضوع من وجهة نظر غربية تخطت الاختلافات العرقية والدينية، إلا أنه ما زال لها تابعون يتمسكون بها في الشرق الأوسط.

وبأسلوب أبسط، يتكون الشرق الأوسط- وتحديدا سوريا والعراق لأسباب راهنة-من شعوب وجماعات ذات انتماءات عرقية -دينية، عرّفوا أنفسهم على مدار قرون (وعرّفهم آخرون) كآشوريين أو علويين أو موارنة أو يهود أو دروز أو شيعة أو أرمن أو يونانيين أرثوذكس وغيرهم. ومنعا لهذا التنوع طالبت الأفكار «القومية» الموحدة التي أثارتها «سايكس بيكو» بأن تنسى هذه الشعوب ما كانت تظن أنها هويتها وتبدأ في الإشارة إلى ذاتها بالسوريين والفلسطينيين والعراقيين والأردنيين والعرب وما إلى ذلك: وهي أسماء ومفاهيم عن الهوية من ابتكار الغرب وتعكس تصنيفاته وأساليب تفكيره في النظر إلى الأراضي الواقعة على شرق البحر المتوسط. لذلك في تعاطف بالغ مع من قد يأسفون لنهاية «سايكس بيكو»، يجب أن يدرك المرء أن نظام الدول الشرق أوسطية المتداعي حاليا لا يعكس قانون الطبيعة؛ بالفعل في ذلك خروج عن المسار لفترة ممتدة في تاريخ المنطقة، ولكن ربما يثبت تفككها، على الرغم من الألم الذي قد يسببه، أنه يحمل الخير على المدى البعيد.

ربما لم يكن من المقصود أن تتحقق سايكس بيكو؛ ربما حان الوقت لإصلاحها واستبدالها. قد يشكل الوصول إلى هذا البديل تحديا، ولا شك في أنها مهمة شاقة. ولكن من الأفضل في الوقت الحالي وجود معاهدة لوزان أخرى في حاضرنا، من أن تمر مئات أعوام أخرى من الفشل في رسم الخرائط وما يليها من حروب وحملات تطهير عرقي وانهيار وركود.

بقلم : فرانك سلامة