orientpro

عهد الشرق


زمن الركض وراء روحاني

مستنقع عربي فريد

(7)

أتحفنا الشاعر الفارسي الكبير حافظ الشيرازي الملقب بلسان الغيب وترجمان الاسرار بالكثير ومما قاله: «هو الكلام رسالات مغلفة بالصمتِ حينا وبالأسرار أحياناً فإن سمعتّ كلاماً خلته خطأ فاجعلْ صوابك في الحال ميزانا».


نقاءُ ما بعد الخط

http://orientpro.net/arab/orientpro-%20arab%20-1159.html


يتوجب تأمل هذه الحكمة للتدقيق في سياسات الجمهورية الاسلامية الاي...رانية في الفترة الأخيرة، حيث أن عناصر، مثل تقليد التأويل وممارسة التقية والدهاء الدبلوماسي وحكم الضرورة، تلتقي لتفسر السياسة الايرانية المتشددة على نهج الولي الفقيه الذي هو دوماً على صواب يقارب المقدس، أو لتفسر النهج المرحلي الآني أي الموازنة بين المبادئ والواقع وفق إعلانات حسن روحاني.

لا بد من هذا التقديم لفهم الهجمة الانفتاحية الراهنة للرئاسة الايرانية أو التهافت الغربي على لقاء روحاني المتربع على سدة الرئاسة منذ خمسين يوماً.

تسلم الرئيس الخامس للجمهورية الاسلامية بلداً مثقلاً بالعقوبات الاقتصادية الدولية المفروضة بسبب الملف النووي، فيما لا يزال متورطاً في صراعات خارجية من سوريا إلى اليمن.

وتتفاقم هذه التحديات نتيجة أزمة بنيوية للنظام، إذ إن فشل المرشد الأعلى علي خامنئي في الهندسة المطلوبة للانتخابات الرئاسية وهزيمة سياسة المحور الواحد الموالي بالمطلق، اضطره لتبنّي استراتيجيات جديدة تتجنَّب الشراكة الفعلية في رأس هرم السلطة والتراجع امام المحور الجديد المتبلور بزعامة هاشمي رفسنجاني، لكنها تقبل مرحلياً بإفساح المجال أمام روحاني ليلعب سياسة الانفتاح على الخارج عله ينجح في رفع العقوبات تدريجياً والخروج من مأزق محتوم على المدى المتوسط.

إن التهديدات اليومية التي يطلقها المتشددون من أمثال حسين شريعتمداري واحمد خاتمي ضد روحاني، تترافق مع اصغاء خامنئي لروحاني واعطائه هامش المناورة المطلوب خصوصاً بعد المنعطف الكيماوي في النزاع السوري. في الحقيقة، تدرك الرئاسة الايرانية "المعتدلة" أنّ الصراع الدولي لا يدور حول سوريا فحسب، بل أن إيران توجد في خلفية المشهد. مقابل حرص واشنطن على مسعى جديد للحوار مع إيران في ظل قيادة روحاني "الجديدة"، لا تريد موسكو أن تخسر أي امتيازات

في علاقاتها بطهران، علماً أن هذه الجهود يمكن أن تذهب هباء لأنّ قرارات السياسات الخارجية الإيرانية يحسمها في النهاية، خامنئي.

لكن هذا لا يمنع من انطلاق زمن الركض وراء روحاني الذي بدأه جيفري فيلتمان وكرَّسته الرسالة الاوبامية التي نقلها السلطان قابوس، وذلك عشية ما سمي بالمبادرة الروسية حول السلاح الكيماوي في سوريا التي لم تكن لتمرّ لولا قبول ايران الضمني، إذ نظرت طهران إليها على أنها اختبار لجدية واشنطن في حل الأزمة سلمياً، ومن ثم يمكن الانتقال للبحث في الملف النووي، والوقوف على جدية أميركا في قبول المقترحات الإيرانية لحلحلة الملفات المعلقة.

بعدها كرَّت السبحة من جانب روحاني الذي أعلن نيّته التفاوض على المشروع النووي مع القوى الغربية، وكذلك زيارة مكة المكرمة لأنّ "السعودية بلد صديق وعزيز"، فيما كان وزير خارجيته محمد جواد ظريف يتبرّأ من نفي الرئيس السابق نجاد للمذبحة النازية لليهود ويهنئ الإسرائيليين بعامهم اليهودي الجديد!

قبل الزيارة المنتظرة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى طهران، يلعب روحاني أوراقه على رقعة الشطرنج الدولية ويضمن لقاء الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند على هامش دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة للبحث في الملف السوري خصوصاً.

وبينما يراهن على لقاء عابر مع أوباما، يتلقى الثناء من ألمانيا أنجيليا ميركل على عرضه الوساطة في النزاع السوري. يهرول روحاني نحو كبار العالم ويحرص هؤلاء على مراعاته، لأنهم ينتظرون تنازلات إيرانية فعلية حول عمليات تخصيب اليورانيوم من اجل ضمان عدم الوصول الى الشق العسكري في البرنامج النووي.

تقبل بعض الاوساط في الغرب بما يسمى "الخيار الياباني"، أي وصول طهران للتحكم بدورة الوقود النووي من دون الذهاب نحو تصنيع القنبلة النووية، لكن رفض اسرائيل القاطع لهذه الفرضية يدفع بواشنطن وباريس ولندن إلى الطلب من محور روحاني ـ رفسنجاني إقناع خامنئي بالقبول الفعلي التخلي عن القنبلة النووية وتجرّع "كأس السم" كما فعل آية الله العظمى الخميني عند قبوله وقف الحرب مع العراق..

يأمل تيار روحاني استخدام ضعف الولي الفقيه وضغط العقوبات ودعم الدول الغربية الكبرى لإرغام خامنئي على التراجع. لكن الكثير في محيط خامنئي وخصوصاً من الحرس الثوري (فيلق القدس المتورط في الخارج والخاضع للعقوبات الدولية) يُحذّر من التراجع أمام الغرب لأنه سيتحول الى منصة انطلاق للإطاحة بنظام الولي الفقيه.

إما من خلال معارضة مستيقظة تتلاقى فيها جماهير انتفاضة 2009 والحركة الخضراء وقوى اخرى، أو بواسطة رفسنجاني الذي سيعمل على الاستغناء عن نظام "الولي الفقيه" ويكتفي بنسخة جديدة عن جمهورية اسلامية يلتقي فيها البازار والطبقات الاجتماعية الوسطى والعديد من ضباط الحرس الثوري والجيش في مسعى لإنقاذ ايران من مواجهات مكلفة.

أمام هكذا سيناريو ايجابي مهلة من الزمن لا تتجاوز نصف سنة لكي يتحقق، وإلا فسيكون مصير روحاني مشابهاً لمصير خاتمي وعندها سيكون الكلام للتشدد ولمحور علي خامنئي - قاسم سليماني.

بقلم : د. خطار أبو دياب