orientpro

عهد الشرق


«القسيس الأسود» لتشيخوف: هواجس الذات خارج الأفكار المسرحية

أفكار وشخصيات تشيخوف

(7)

قبل موته بعشر سنوات، وفي وقت كان السل بدأ ينخر جسده نخراً، بالتزامن مع تصاعد شهرته كواحد من كبار المجددين في المسرح الاجتماعي، كتب انطون تشيخوف ونشر نصّاً عنوانه «القسيس الأسود» نُظر اليه أول الأمر على انه رواية قصيرة من النوع الذي اعتاد صاحب «الخال فانيا» و «الشقيقات الثلاث» كتابته في ذلك الحين. ولكن بعد ذلك وفي شكل تدريجي، راح النقاد والباحثون ينظرون الى «القسيس الأسود» نظرة مختلفة، لينتهي بهم الأمر، عند وفاة تشيخوف في عام 1904، الى اعتبار هذا النص أشبه بوصية فكرية/انسانية، صاغها الكاتب محمّلاً اياها افكاره الحقيقية وهواجسه، وبخاصة نظرته الى العلاقة بين الروح والجسد، وبين الايمان والواقعية... ثم بين الحقيقة والخيال، وصولاً الى العلاقة بين العقل والجنون. ومنذ ذلك الحين، لم تتبدل النظرة الى أدب تشيخوف على ضوء ذلك النص، فقط، بل تبدلت كذلك النظرة الى سيرة حياته. وكأن «القسيس الأسود» عرّاه فجأة تماماً ونزع عنه كل أقنعته.
> ومع هذا ظل كثر ينظرون الى «القسيس الأسود» على انها رواية، ذلك ان هذا النص يحمل - خارج إطار ارتباطه الوثيق والذاتي بكاتبه - كل عناصر العمل الروائي. والعمل الروائي الفكري على وجه التحديد، ما يقرّبه - من ناحية الأسلوب، إن لم يكن من ناحية الفكر والمضمون - من أدب كبار الروائيين الروس الذين ملأوا القرن التاسع عشر أفكاراً قلقة وأسئلة شائكة بقدر ما ملأوه إبداعاً كبيراً وضعه روسيا على خريطة أهم الآداب العالمية، بدءاً من غوغول الى دوستويفسكي فتولستوي، معطياً هذا النص مكانة فريدة في أدب تشيخوف، الذي هو - أساساً - أدب مسرح وأدب قصة قصيرة. ومن الضروري هنا ان نذكر ان كثراً من النقاد باتوا، إثر موت تشيخوف، ينظرون الى «القسيس الأسود» على انها، من اكثر نصوص تشيخوف نمطية وتعبيراً عن فكره وتوجهاته التأملية مقارنين بينها وبين العديد من الأفكار الأساسية التي تزحم النصوص الكبرى لهذا الكاتب الذي تدين له الحداثة المسرحية في القرن العشرين بالكثير.
> تدور أحداث هذه الرواية - الوصية، حول استاذ يدعى كوفرين، يقرر إذ يصاب بمرض عصبي - بسيط أول الأمر -، ان يمضي بضعة شهور في الريف، ضيفاً على صديق قديم له يعيش الآن في أحضان الطبيعة مع ابنته الصبية الحسناء حيث يمارس الزراعة بعيداً من صخب المدينة وتعقّد حياتها. وهكذا يصل كوفرين الى منزل صديقه ليرتاح لديه. بيد ان البروفسور كوفرين، الذي كان طوال الفترة الماضية من وجوده دأب على التحدث عن قسيس أسود، هو في مخيال عام بطل الكثير من الأساطير والحكايات الخرافية، ها هو الآن يعود الى الحديث عن ذلك القسيس الخرافي بإعجاب وبإلحاح في الوقت عينه. وينتهي هذا الأمر ذات يوم بظهور القسيس الأسود أمام كوفرين... وسرعان ما يدور بين الاثنين حديث يقول خلاله القسيس لصاحبه، رداً على سؤال يطرحه عليه هذا الأخير: «سواء أكنت شبحاً أو سراباً... أو كنت مرآتي أنا نفسي، فإنني في حقيقة الأمر لست سوى نتاج مخيلتك... مخيلتك المتحمسة المضطربة هي التي خلقتني. بيد ان هذا لا يعني انني غير موجود. فاذا كنت موجوداً في مخيلتك، وليس الا في مخيلتك، فيعني هذا انني موجود في الطبيعة، طالما ان مخيلتك نفسها هي جزء من هذه الطبيعة». واذ يستريح كوفرين الى هذا الكلام، يمعن في خوض السجالات مع القسيس الأسود الذي سرعان ما يعرّف البروفسور على عدد من رفاق له، سيكتشف كوفرين انهم من تلك الكائنات المتأملة المفكرة التي «توجد» لكي تقود الإنسان نحو الحقيقة الخالدة المطلقة... أي نحو مستقبل مشع تهيمن عليه نزعة انسانية عميقة. ويرضى كوفرين بخوض اللعبة حتى نهايتها، إذ إن هذا الخطاب الطيب يفتنه إذ يجد فيه وعداً وإمكانية لتشكيل تفاصيل حياته من حوله، حتى وإن كان بات الآن واثقاً من ان كل شيء يتعلق بهذا الأمر، انما هو من صنع خياله. ولم لا؟ يتساءل كوفرين قائلاً: أوليس الخيال جزءاً من الطبيعة... وأليست الطبيعة حيز وجودنا. وهكذا تنفتح في وجه الاستاذ آفاق حياة جديدة تهدئ من ثورته الدائمة وتدفعه الى التأمل، بل توصله ذات لحظة الى الاعتقاد بأن السماء قد اختارته من أجل رسالة انسانية عميقة. واذ تستريح نفسه على ذلك النحو، يلتفت الى حياته الشخصية ليكتشف انه بات الآن مغرماً بابنة صديقه، ويتقدم اليها ويتزوجها. ولكن سرعان ما ستكتشف هذه الأخيرة ان زوجها فاقد عقله، وانه بات مجنوناً بالفعل... واذ تقبض عليه ذات مرة بـ «الجرم المشهود» وهو في خلوة مع «صاحبه» القسيس الأسود يتبادل معه اطراف الحديث، تصارحه بما آلت اليه حاله وتجبره على ان يقصد طبيباً كي يتعالج... ويذعن كوفرين لارادة زوجته، فيخضع فترة من الزمن الى العلاج... غير ان الذي يحدث هنا هو ان تعافيه يحرمه من المكسب الوحيد الذي كان حققه في حياته: السعادة. ذلك ان «مناقشاته» مع القسيس الأسود وتأملاته وخيالاته كانت منحته خلال تلك الفترة سعادة لا توصف ولا تضاهى، سعادة ارتبطت لديه بما راح يساوره من احلام العظمة. أما الآن فلقد انهارت تلك السعادة كلها. وعاد اليه العقل وخبت احلام عظمته وأفكاره حول الرسالة السماوية التي «كُلّف بها». لم يعد الآن سوى انسان سوي... عادي، كئيب يشكو كل الوقت. بل ها هو الآن قد بات راغباً في الانتقام مما حصل له. وتكون النتيجة ان كوفرين اذ يعتبر زوجته مسؤولة عن هذا الذي يحصل له الآن... يتركها ليذهب ويعيش مع امرأة اخرى. ولكن ما إن تمضي عليه فترة قصيرة من الزمن في صحبة هذه المرأة الجديدة، حتى يتفاقم لديه داء السل الذي كانت بوادره بدأت تظهر عليه منذ زمن... وفي نهاية الأمر كان لا بد له من ان يموت... فمات. وهنا، خلال موته يعود صديقه القسيس الأسود الى الظهور أمامه من جديد، وهو في هذه المرة إنما يأتيه مبعوثاً من فوق ومن لدن اصدقائه الآخرين، ليعزيه على حياته التي عاشها كما على الموت الذي انتهى اليه، قائلاً له انه يرى فيه عبقرياً حقيقياً، خصوصاً انه خلال حياته، فهم كما يبدو ان ثمة اختلالاً في التوازن كبيراً بين الجسد والروح... «فالروح باقية أبدية خالدة، اما الجسد فإنه كائن شديد الضعف فانٍ». «والحق ان ما فعلته يا صديقي هو انك الآن انما أعدت التوازن بين الروح والجسد».
> والحال ان كل الذين درسوا حياة انطون تشيخوف (1860-1904) يلاحظون انه خلال تلك الفترة من حياته، كان شديد الاهتمام بدور الروح في حياة الإنسان، وبكون الجسد أضعف ما لدى الكائن البشري... وعلى رغم ان معظم المسرحيات، والقصص، التي كتبها تشيخوف خلال تلك الفترة من حياته، كان ينتمي الى الأدب الواقعي، بل الطبيعي، فإن قراءة معمّقة بين سطور تلك الاعمال قد تكون كافية لتلمس الآثار العميقة والحقيقية لتأملات تشيخوف تلك، ولانشغالاته، علماً أن منطق الرجل، ومنطق تفكيره، حديا به دائماً الى ان يكون، في النصوص غير المسرحية التي كتبها خلال تلك الحقبة، اكثر تصريحاً حول مسألة العلاقة بين الخيال والواقع، وبين الروح والجسد، كما بين العقل والجنون، منه في اعماله المسرحية... وواضح هنا ان تشيخوف ما كان يريد لهواجسه الذاتية ان تطغى على اعمال كان يعرف حقاً ان له شركاء في ايصالها الى الجمهور (من فنيين وممثلين وتقنيين)، في مقابل اعمال كان يغامر بأن يكتبها لذاته. اما الملاحظة الأخيرة هنا فهي ان صاحب «طائر النورس» و «بستان الكرز» و «السهوب» خلق في «القسيس الأسود» شخصية، هي شخصية البروفسور كوفرين، تكاد تكون انعكاساً في مرآة - غريبة بعض الشيء على اية حال - لشخصيته نفسها... وعلى الأقل خلال تلك المرحلة من حياته.

بقلم : ابراهيم العريس