orientpro

عهد الشرق


«طائر النورس» لتشيكوف: الحرية بثمن رصاصة حقيرة

أفكار وشخصيات تشيخوف

(6)


حين قدم مسرح الفن في موسكو مسرحية أنطوان تشيكوف الثالثة عشرة (من ناحية الترتيب الزمني) «طائر النورس»، لم تكن المسرحية جديدة بالنسبة إلى جمهور المشاهدين، إذ كان سبق لها أن قُدّمت مرة أولى في سانت بطرسبورغ في خريف عام 1896، ونشرت في عام 1897. مع هذا، كان لتقديمها في عام 1898 في موسكو صدى واسع... حيث اعتبرها كثر النجاح الحقيقي الأول والكبير الذي يحققه تشيكوف في مساره المتعرج ككاتب مسرحي حديث، ومبدع من طراز استثنائي. ولقد كان من ضخامة ذلك النجاح أن مسرح الفن في موسكو جعل من صورة النورس شعاراً له، لا يزال قائماً حتى اليوم.
> والحقيقة أن تشيكوف سبق له خلال السنوات العشرين السابقة، أن كتب 12 مسرحية، حقق بعضها رواجاً وإقبالاً حين قُدّم، وبعضها لا يزال يشكل حتى اليوم علامات في تاريخ المسرح العالمي. لكن مصير «طائر النورس» كان مختلفاً، لأن المزاج العام والسيكولوجي للمسرحية، أتى متناسباً مع الذهنية العامة التي كانت سائدة، ليس فقط لدى المثقفين وجمهور الخاصة، بل أيضاً لدى عامة الشعب، في زمن كان الإحباط سيد الموقف، والآمال خائبة والناس ينتظرون معجزة تنقذ روسيا من الأوضاع التي كانت تعيشها. وكان الانتظار من دون أمل، ما جعل حياة الناس مطبوعة بقسط كبير من الكآبة، عرف تشيكوف كيف يعبّر عنها بمهارة. فالناس، في ذلك الحين في روسيا، كانوا بفضل انفتاحهم الثقافي يحملون آمالاً، ويتطلعون إلى تحقيق ما هو جديد، لكنهم كانوا يعرفون أن تحقيق أحلامهم مستحيل. كانوا مثل طائر النورس الذي يرمز في حياته وانطلاقته وطيرانه فوق البحيرة إلى التوق إلى الحرية، بل إلى الحرية نفسها، لكنه ينتهي دائماً ضحية لرصاصة صياد يوقع به، ليريه - مواربة - أن كل حرية لا تساوي أكثر من ثمن رصاصة حقيرة. ومن الواضح أن استخدام تشيكوف رمز النورس هنا لم يكن صدفة: كان يريد أن يقول لمن يحب أن يسمعه أن الحياة نفسها بتطلعات أصحابها، ليست أكثر من حلم سيأتي الواقع ليحطمه، ومن دون مقدمات. وهنا من المؤكد أن ربط فكرة الرمز بالواقع اليومي، ليست من عواهن الكلام، ذلك أن «طائر النورس» اعتبرت واحدة من أولى المسرحيات الروسية التي جدّدت، في ذلك الحين، في مجال الربط بين الأسلوب الرمزي والأسلوب الواقعي، ربطاً محكماً، عبّر عنه بطل المسرحية حين اصطاد، في واحد من أقوى مشاهد المسرحية، طائر النورس ورماه بين يدي حبيبته. فما كان من بقية الشخصيات إلا أن راح كل منها يفسّر ذلك الرمز على ضوء تطلعاته وهواه.
> تدور أحداث «طائر النورس» في الزمن المعاصر - ذلك الحين - في روسيا. وتبدأ مع السيدة آركادينا، الممثلة الشهيرة التي بدأت خطوط الزمن تظهر على محيّاها وفي تصرفاتها. والسيدة آركادينا تصل في أول المسرحية مع عشيقها الكاتب الشهير تريغورين، إلى القرية التي يملكها أخوها سورين. وهناك يحاول ابنها كونستانتين أن يثير انتباهها نحوه، فيرتب مع جارته الصبية الحسناء نينا، والتي يعيش غراماً مولهاً بها، عرض مسرحية كتبها بنفسه. وشاء لها أن تكون مسرحية رمزية. بيد أن الأم لا تنفك خلال العرض تهزأ بابنها ومسرحيته عبر تعليقات مرة ومضحكة. وينتهي الأمر بالشاب إلى الغضب، فيتوقف العرض وينسحب حزيناً خائباً. أما نينا التي يحدث أن تقدَّم إلى تريغورين، فإنها تنبهر بشخصية هذا الكاتب وقدرته على الكلام وتركيبه أفكاره فتهيم به حباً، في وقت بدا من الواضح أن حبها لكونستانتين يتضاءل بحيث لم يبق منه سوى آثاره. أما كونستانتين فإنه يزداد تعلقاً بها، بمقدار ما تتفاقم الأمور سوءاً بينه وبين أمه. وهنا، عند هذا المستوى من المسرحية يصطاد الشاب طائر نورس ويرمي به أمام الفتاة. بالنسبة إلى نينا، من الواضح أن قتل النورس وتقديمه إليها في ذلك الشكل الذي يشي باستعداد كونستانتين للانتحار إن هي تخلت عنه، ليس سوى دليل آخر على جنونه الذي بدأ يثير نفورها منه. أما تريغورين فإنه يتلقى الحادثة بصفتها إلهاماً له بكتابة نص عن فتاة متحررة الفكر يدمرها، عن تعمد، رجل لا يريد سوى الإفلات من السأم. إزاء هذا كله يحاول كونستانتين الانتحار بالفعل. أما أمه السيدة آركادينا فإنها لخشيتها من فقدان تريغورين تقطع زيارتها للقرية في شكل مباغت واضعة حدا لبقائهما في تلك المنطقة. وهنا تعلن نينا حبها لتريغورين. غير أن هذا الأخير يفشل في محاولته القطع مع عشيقته المكتهلة. لكن هذا لا يمنعه من تدبير أموره بحيث يلتقي نينا التي تبلغه رغبتها في التوجه، هي الأخرى، إلى موسكو.
> ويمر عامان. وبعدهما نجد السيدة آركادينا وعشيقها نفسه تريغورين يزوران قرية سورين مجدداً. في تلك الأثناء يكون كونستانتين نشر بعض المسرحيات، غير أن فقدانه نينا أثّر فيه في شكل جدي. أما نينا فإنها الآن، بعد كل الطموح الذي كانت أبدته والوعود التي قُطعت لها، ليست أكثر من ممثلة صغيرة في بعض الفرق المسرحية الريفية. ونعرف الآن، أنها عاشت بعض الوقت، خلال العامين الفائتين مع تريغورين كعشيقة له، غير أن هذا الكاتب، الواقعي والانتهازي في آن واحد، سرعان ما تخلى عنها وعاد إلى السيدة آركادينا. وفي القرية، فيما يكون الجميع متحلقين حول طاولة العشاء تتسلل نينا إلى مكتب يعمل فيه كونستانتين لتحدثه، بغضب حيناً، وجنون حيناً آخر، باستسلام ثم بحماسة ثم باستسلام جديد، عن الحياة التي تعيشها، حياة الخواء والفقر، هي التي لا تزال تحلم بأن تصبح ممثلة كبيرة في العاصمة، لا في الأرياف. وخلال الحديث الذي يبدو غير متماسك، لا تكف نينا عن وصف نفسها بأنها أشبه بطائر النورس. غير أن جنونها ويأسها وتوقها إلى المجد، كل هذا لا يمنع كونستانتين من أن يتوسل إليها لأن تبقى معه... هنا، تحدث الصدمة الكبرى لكونستانتين حين تبلغه نينا كالحالمة أنها، في حقيقة أمرها، لا تزال هائمة بتريغورين. وإذ تقول نينا هذا وتخرج، يصمت كونستانتين لحظات بعد خروجها، وقد أحس بأن كل ما عاشه، كان من دون جدوى. وهنا نراه يقدم على حرق مخطوطاته، ثم ينتحر. وفي حين كونستانتين يلفظ أنفاسه الأخيرة، وقد ارتاح في نهاية الأمر من عبثية حياته، يكون الباقون لا يزالون حول الطاولة في الغرفة المجاورة، ومن بينهم السيدة آركادينا المنهمكة في لعب الورق مع أصدقائها من دون أن تعرف ما يحدث في غرفة كونستانتين.
> كما أشرنا، كانت مسرحية «طائر النورس» النجاح الأول الكبير الذي يحققه، في المسرح، أنطون تشيكوف. ولقد اعتبرت المسرحية مجددة في شكل جدي في المسرح الروسي آنذاك، من خلال بناء للشخصيات جعل كل هذه كائنات يمتصها الحزن والفشل والإحساس بالنهاية. فهذه الشخصيات سواء أحبت أو كرهت، أملت أو يئست، نراها تتصرف كأن الوهم هو مركز هذا العالم الذي تعيش فيه. إن تشيكوف يرينا هنا كائنات يدمرها مثال أعلى تتطلع إليه غير مدركة أن حجمه أكبر كثيراً من حجم إمكاناتها أو قوتها. وحتى حين يحدث لواحدة من الشخصيات أن تنجح في أمر ما، فإنها سرعان ما تجد نفسها محطمة وسط شعور باللاجدوى تعيشه ويحبطها، ويبدو لها مصيراً وحيداً. وفي هذا المعنى نظر كثر من الدارسين والنقاد إلى تشيكوف بصفته رائد العبثية الوجودية التي ستطغى لاحقاً على بعض أعظم نصوص القرن العشرين.
> وأنطون تشيكوف هو، بالطبع، ذلك الكاتب الروسي الكبير الذي ولد عام 1860 ورحل في عام 1904، وكتب خلال العقود الأخيرة من حياته تلك الأعمال المسرحية التي وضعته في مكانة متميزة بين كبار كتاب المسرح في كل الأزمان، إلى جانب شكسبير وغوته وموليير من سابقيه، كما إلى جوار إبسن وغيره، واعتبر صاحب النفوذ الأكبر على بعض أكبر مسرحيي القرن العشرين وسينمائييه، من آرثر ميلر إلى وودي آلن، ومن تنيسي ويليامز إلى إنغمار برغمان...

بقلم : إبراهيم العريس