orientpro

عهد الشرق


التشيخوفية في الزمن العربي

أفكار وشخصيات تشيخوف

(5)

سأعمد إلى اختيار قصة “ انطون تشيخوف” الطويلة بعنوان “ عنبر رقم 6 “ للإشارة لفضاء آخر في قراءة التاريخ، وهذه المرة تكون روسيا القيصرية نموذجاً. في تلك المرحلة لتي ترافقت فيها الارستقراطية الملكية مع البيوتات الفنية والتجارية الراقية، ومع أحوال مجتمعية طبقية مناقضة لها تماماً، مما يمكن أن نراه الآن في عديد البلدان العربية ذات العمق الديمغرافي الكبير، فالمفارقات والإحباط والأسئلة الفلسفية والوجودية المحيرة تركزت في هذه القصة حتى ترينا نموذجاً لبطل يمكن أن نرى نظائر له في العالم العربي، فالقانون أداة قمع بيد ممثلي السلطة، والتهمة جاهزة في كل لحظة، ومجرد التفكير الحر والبحث المعرفي قد يؤدي إلى الاعتقال والسجن . 
نزيل العنبر رقم 6 في مستشفى المجانين يصل إلى تلك المحطة لأنه يتساءل ويتفلسف مُحاولاً استسبار حقائق الأرض الفاجعة، لكن الأغرب من ذلك أن الطبيب المشرف على علاجه يقع في ذات المصيدة، فكأن تشيخوف يحاكم ذلك المجتمع ويفضح الأوضاع المزرية مركزاً بؤرة اشاراته على نزيلين في مستشفي المجانين لا ذنب لهما سوى أنهما انتميا لعالم الأسئلة المفتوحة، ولم يقتنعا بالإجابات الجاهزة . 
في هذه القصة الاسثناء استقراء للتاريخ من خلال سير ذاتية، وبلغة أدبية رفيعة تمسك بأهداب الضرورات الفنية، وتضع القارئ أمام “ كوموتراجيا “ الحياة ، وبتعرية كاسحة لأحوال روسيا القيصرية . 
نزيل العنبر رقم 6 يتواجد الآن بين ظهرانينا، والحال التشيخوفية تنتمي للزمن العربي بامتياز مؤكد، والمفارقة التي أشار اليها القاص كبيرة الشبه بما لدينا من ملاحم خرائبية كالتي نراها في أربع أرجاء عالم العرب الموسوم بواقع يتجاوز في فداحاته اللاواقع. 
استقراء أدب تشيخوف القصصي والمسرحي يستحق توقفاً استثنائياً في الأحوال الراهنة، خاصة إذا عرفنا أن تلك المقدمات أوصلت إلى الثورة البلشفية وكامل استتباعاتها الباهظة، ابتداءً من قتل الفنانين وإعدام القياصرة، وحتى الضنى الكبير بحثاً عن طوبى لجنان جديدة سرعان ما تحوّلت إلى «سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء» لكن الأكثر فداحة أن رأسمالية الحرب الباردة التي كانت مُمسوكة بتوازن الرعب سرعان ما كشفت عن أكثر وجوهها قُبحاً ووحشية بمجرد انهيار النموذج الاشتراكي العالمي مما ندفع ثمنه جميعاً إلى يومنا هذا .

نماذج تشيخوف
عرض لنا القاص الروسي الكبير انطون تشيخوف نماذج عجيبة من البشر، مستفيداً من علاقته المهنية بالطب وخاصة علم النفس السريري .. أيضاً لأنه كان دقيق الملاحظة حاضر البديهة في التقاط السمات والسجايا الرئيسة للأفراد . 
يعجب المرء من بعض النماذج الأقرب إلى الخيال أو المفارقة لمألوف الطبائع .. لكنها الحياة التي ترينا أغرب من الغرابة ذاتها. 
عرض لنا تشيخوف تلك النماذج بلغة سردية رشيقة، واستطاع أن يظهر وجه الطرافة والغرابة في سلوكاتهم، كما رأينا في قصة ( موت موظف ) وملخصها أن موظفاً عمومياً مات من الخوف الوهمي بعد أن عطس في مسرح البولشوي الشهير وبلل صلعة أحد الجنرالات الذي كان حاضراً ليلة العرض في المسرح عندما عطس ذلك الموظف المسكين دون إرادة منه.. ثم بدأ يقدم الاعتذارات واحدة تلو الأخرى مما أثار حفيظة الجنرال فصرخ في وجهه وكانت النتيجة أن المسكين ذهب إلى منزله خائفاً ترتعد فرائصه .. ثم مات !!. 
قصة أخرى ترينا إصرار أحد الصيادين على الدفاع عن نفسه أمام واقعة سرقة خطيرة .. حيث إنه دأب على فك قطع الحديد الدائرية التي تستخدم لتمتين خط سكة الحديد الأرضية .. يقول ذلك الصياد السارق مع سبق الإصرار إنه بدون تلك القطع لايستطيع الاصطياد وتوفير الأسماك للأهالي !! 
في قصة ثالثة نقف على حال الصول بريشيبييف الذي يشتغل حارساً ليلياً لقرية روسية .. لكنه بلغ من الفضول والتدخل فيما لا يعنيه أن اشتكى منه أهالي القرية وتم استدعاؤه للمحكمة بتهمة التدخل فيما لايعنيه وتجاوز صلاحياته كحارس ليلي للقرية ... فاستغرب الصول بريشيبييف من كلام القاضي .. ثم شرع يقرأ من ورقة بحوزته سلسلة الشواهد والفضائح اليومية في مساءات القرية ما أثار ضحك الحضور؛ لأنه تناول تفاصيل دقيقة في حياة سكان المنطقة ،فكانت النتيجة حكماً بغرامة بريشيبييف . 
المضحك أنه لم يتعض أو يتغير فبمجرد خروجه من المحكمة شاهد جماعة من الناس تتحدث فصاح فيهم: تفرقوا ألا تعرفون أن الاجتماعات العامة ممنوعة!! 
هكذا يتجول بنا تشيخوف في خلق الله وأعاجيبهم مما يذكرنا بما قاله الروائي الكولومبي جابرييل جارسيا ماركيز عندما سئل عمّا يسرده من وقائع أقرب إلى الخرافة .. فكان جوابه أن مايجري في الحياة أبلغ مدىً مما يكتب وأنه لم يأت بشيء من خياله .

بقلم : د.عمر عبد العزيز