orientpro

عهد الشرق


آريانا لتشيكوف الخيبة مصيراً حتميّاً للمثل العليا

أفكار وشخصيات تشيخوف

(4)

للوهلة الأولى قد يكون من الصعب نسب قصة «آريانا» الطويلة الى الكاتب الروسي انطون تشيكوف. إذ، على رغم نفس تشيكوف الواضح فيها من خلال رسمه للشخصيات لا سيما للشخصية الرئيسة فيها، شخصية الحسناء آريانا، تبدو الأحداث والمواقف والعلاقات وكأنها مزيج من إبداع جين أوستن وهنري جيمس. وحتى لئن كان تشيكوف في عدد لا بأس به من مسرحياته أبدع في رسم صور لنساء معاصرات (كما في «الشقيقات الثلاث» أو في أجزاء اساسية من «الخال فانيا») فإن الشخصيات الأساسية لدى تشيكوف تبقى دائماً شخصيات ذكورية. وربما يكون إحباط شخصية من هذه الشخصيات ناتجاً من علاقة خيبة ما، بالمرأة، لكن هذه الخيبة، والمرأة بالتالي، تكونان نوعاً من الترميز لإحباط ما يتعلق بالحياة نفسها. وفي قصة «آريانا» يطالعنا، في الحقيقة هذا الموضوع، وقد نجد لدى القراءة الأولى ان اهتمام الكاتب منصب على شخصية بطله، أو بطليه، وهما رجلان روسيان يلتقيان خلال سفر، فيروي واحد منهما الى الآخر مشكلته التي تبدو في بعض الأحيان مأساته. ومن هنا ما يبدو أن المرأة (آريانا) تصبح موضوع الحديث، والسبب الذي يجعل الراوي حكايته عنها. غير ان هذه القراءة الأولى، من دون ان تكون غير صحيحة، ستحيلنا مع بعض التعمق الى حيز آخر: إننا هنا امام صورة للمرأة، يرسمها تشيكوف بالواسطة، ويرسمها في شكل هو من الدقة والتفاصيل بحيث لا يعود الراوي هو الشخصية الأساس في القصة ولا مأساته هي الموضوع. الشخصية الأساس هي المرأة، والمأساة ليست أكثر من ذريعة لتقديم هذه المرأة. ومن هنا ذلك الإحساس وكأننا في هذه القصة، أمام واحدة من تلك الصور النسائية التي كثيراً ما رسمها المبدعون - والمبدعات - في محاولتهم الدائمة لسبر ما يعتبره نوعاً من الأدب الاجتماعي غوصاً في سر شخصية المرأة في زمن كانت هذه قد بدأت تطفو فيه على سطح الأحداث، وتتقدم من دون ان تكون لصورتها صورة الكائن الملحق بالرجل. ونعرف ان الحيز التاريخي لمثل ذلك الانقلاب في وضعية المرأة، شغل - في أوروبا على الأقل - المرحلة الفاصلة/ الواصلة بين القرن التاسع عشر ولاحقه القرن العشرين. وهو تحديداً الزمن الذي كتب فيه تشيكوف هذه القصة. بل كذلك الزمن الذي كتب فيه معظم أعماله التي تحولت فيها المرأة من موضوع الى ذات. ولم يكن صدفة بالطبع ان يكتب مسرحي أوروبي آخر، هو هنريك أبسن، مسرحياته «الأنثوية» في ذلك الزمن بالتحديد.
> «آريانا» أو «آريادنا» في اللفظ الروسي، هي، إذاً، قصة طويلة تروى لنا من طريق الراوي، وهو المؤلف نفسه، الذي إذ كان عائداً في سفينة ركاب من رحلة قام بها الى الخارج، يجد ذات يوم إلى مائدته في مقصف المركب، رجلاً غريباً، سرعان ما يكتشف انه شديد اللطف وفصيح اللسان. وما ان يتعارف الرجلان على بعضهما البعض، حتى يبدأ الراكب الغريب برواية مآسيه العاطفية لصديقه الجديد. والحال ان الراوي/ المؤلف يتذكر عند تلك اللحظة بالذات انه كان سبق له ان لمح هذا الرجل في السابق عند الحدود وفي رفقته سيدة لفتت أنظار رجال الجمارك بالعدد الكبير لحقائب سفرها وأناقتها. وهكذا، تبدأ إذاً الحكاية وقد بتنا، الى حد ما، على معرفة بـ «بطليها» بوساطة صديقنا الراوي. والحكاية ان الراكب واسمه شاموتين يمتلك عزبة في منطقة ريفية تقع غير بعيد الى الشمال من موسكو. وهو يعيش هناك مع ابيه، البروفسور المتقاعد. وفي الجوار هناك عزبة اكثر ثراء وفخامة يملكها الشاب كوتلوفتش، الأعزب الذي يفضل ان يمضي وقته في السحر والشعوذة. انه شخص غريب، لكن ما يثير اهتمام شاموتين به ليس غرابته ولا ممارسته السحر والشعوذة، بل شقيقته الحسناء آريانا، موضوع حديث شاموتين، مع الراوي. ذلك ان آريانا هذه هي التي لعبت، كما سنرى، الدور الأكثر حسماً في حياة شاموتين. وهذا الأخير بدأ حديثه عنها، على أي حال، بالتركيز على ذلك الميل الواضح لدى الروس الى امثلة المرأة وإضفاء اعظم الصفات عليها... ولكن قبل ان يعرفوها عن كثب، وتكون النتيجة سقوطهم في فخ اقصى درجات خيبة الأمل.
> كل هذا هو ما يرويه لنا شاموتين. وما يرويه هذا، هو الذي يعطي تشيكوف فرصة رسم صورة آريانا في لغة شديدة البراعة. وهي صورة مركبة لا يستقيم اكتمالها إلا من خلال رسم علاقات آريانا بمجموعة من الشبان والأشخاص الآخرين المحيطين بها، وهي علاقات يدخلنا شاموتين فيها وفي تفاصيلها، بادئاً بوصف آريانا نفسها: إنها فتاة شديدة الحسن سمراء البشرة في نحو الثانية والعشرين من عمرها. انها ذات اخلاق عالية ومزايا جيدة، غير ان مشكلتها الرئيسة تكمن في عدم قدرتها على ان تكون لها عواطف حقيقية ومحددة. إن آريانا، بحسب رواية شاموتين تحلم بأن تصبح في عداد الأثرياء والأمراء، وفي عداد سيدات المجتمع، ومع هذا لم تتردد في الرفض حين تقدم منها الأمير ماكتويف عارضاً عليها الزواج، إذ بدا واضحاً انها لم تعجب به على الإطلاق هي التي أحياناً، من اجل الوصول الى ما تريد، تبدو قادرة على تدمير أي شخص كان وإيصاله الى الحضيض. ومن هنا فإن شاموتين، على رغم حبه لها وإعجابه الهائل بها، يجد نفسه على تردد من دون طلب يدها، ولكن من دون ان يفهم هو نفسه سبب تردده. اما هي، فإنها ذات لحظة تقرر السفر الى إيطاليا في رفقة صديق لها بوهيمي لا يبالي بأي شيء يدعى ميشال لوبكوف. إن ميشال هذا يحب آريانا بالتأكيد، لكنه ليس من النوع الذي قد يدمر نفسه من اجل الحصول عليها. ذلك انه منطقي في عواطفه، وشديد الواقعية حين يتعلق الأمر بالعلاقة مع النساء. من هنا قد يصلح رفيق سفر مثالياً، من دون ان يتسبب في إحداث اي مشاكل حقيقية.
> تبدأ رحلة آريانا وميشال في شكل جيد. غير ان آريانا، وعلى عادتها، سرعان ما تسأم هذا كله، فلا يكون منها إلا ان تكتب الى شاموتين، صديقها الوفي وعاشقها الأفلاطوني كما بتنا نعرف الآن، سائلة إياه ان يأتيها الى إيطاليا لنجدتها. فيفعل الرجل كما يروي لنا، وينضم الى الثنائي في مدينة اباتسيا. وهناك اذ يصعب عليه فهم كل ما يدور حوله يطلب من ميشال تفسيراً، فيحدثه هذا عن شخصية آريانا، وعن تعامله هو، ميشال معها. وإزاء الطريقة التي يروي بها ميشال كل هذا، يحس شاموتين بالإحباط ويعود الى موسكو. ولكن بعد حين ترسل إليه آريانا رسالة عتاب لطيفة طالبة إليه فيها ان يلاقيها في روما فيفعل اذ يعرف الآن انها باتت وحيدة بعدما تخلى عنها ميشال نهائياً. وهذه المرة، في روما، تصبح آريانا حقاً عشيقة شاموتين. وهكذا يبدأ دمار هذا الأخير، خلال رحلة عاصفة في ربوع المدن الأوروبية، وفي عالم نزوات هذه المرأة. وعلى هذا تخبو عاطفة شاموتين وتخبو أحلامه كلها ويصبح لا بد من العودة الى موسكو بعد معايشة «اوروبا نهاية القرن»... ومعايشة عالم آريانا القاسي في آن معاً. ولكن بعد العودة، نجد آريانا وشاموتين، في انتظار مزدوج: هي تنتظر الأمير ماكتويف واثقة من انه يحبها دائماً وقادر على إعطائها ما تريد من عاطفة ومكانة، وهو - أي شاموتين - ينتظر بدوره مجيء ماكتويف وقد قرر ألا يعترض كثيراً على تقدمه الى الحسناء التي صارت في نظره الآن، عبئاً عليه.
> على هذا النحو، إذاً، يختم انطون تشيكوف (1860 - 1904) هذه القصة، التي يبدو واضحاً لنا فيها انه قد يكون هو بطلها الحقيقي، حتى وإن أعطى دور البطولة لآخر يلتقيه في السفينة ويروي له مأساته. وتشيكوف، أحد سادة الكتابة المسرحية والقصة القصيرة في الأدب الروسي، اعتاد في عدد لا بأس به من اعماله، ان يحكي عن نفسه ولكن دائماً بالواسطة، كما يفعل في هذه القصة التي يعتبرها كثر من اكثر أعماله - غير المسرحية - شعبية.

بقلم : إبراهيم العريس